“كن فيكون” والأسباب

ما قدرنا اللهَ حقَّ قدرِه إذ ظننا أنَّ لنا أن نحكمَ بعقولِنا على ما اللهُ قادرٌ على فعلِه وما هو ليس بقادر! فلقد أوهمتنا عقولُنا بأنَّ الأسبابَ التي سبق وأن خلقها اللهُ تعالى وسلَّطها على الوجود ليُسيِّرَ بها أمورَ هذا الوجودِ وينظِّمَ بها شؤونَه، هي ضوابط لابد من تحكيمِها والاحتكامِ إليها قبل أن نقولَ بأن هذا أو ذاك من أحداثِ الوجود ممكن الحدوث أو هو من المستحيلات! ولقد فاتنا بذلك أنَّ اللهَ تعالى قد كشف لنا النقابَ في قرآنِه العظيم عن جانبٍ لطيفٍ من قدرتِه، وذلك بحديثِ هذا القرآن عن أنَّه تعالى إذا أرادَ شيئاً فإنما يقولُ له “كن فيكون”. فالأمرُ لا يقتضي من اللهِ تعالى غير أن يريدَ شيئاً فيقولَ له “كن فيكون” حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ تمامِ التعارضِ مع ما تقولُ به الأسبابُ والقوانينُ التي نظنُّ ونعتقدُ أن الوجودَ من دونها ستملؤه الفوضى!
ولنا في قصة السيدة مريم عليها السلام ما بوسعه أن يُعينَ على تبيُّنِ هذا التسلُّطِ الإلهي لـ “كن فيكون” على قوانين الوجود وعلى الأسباب التي يُسيِّرُ اللهُ تعالى بها أمورَ هذا الوجود. فلقد أعربت السيدة مريم عن بالغِ دهشتِها إثرَ تبلُّغِها من قِبل سيدِنا جبريل عليه السلام بأنه سيكونُ لها ولد! فكيف يستقيمُ أن تحظى بولدٍ من دونِ زوج؟! فالسيدة مريم هنا حكمت باستحالةِ هذا الأمر طالما تعارضَ مع ما تعرفُ من “الحقائق”، والتي لا يمكنُ بمقتضاها للمرأة أن يكونَ لها ولد من دون رجل.

أضف تعليق