نهى اللهُ تعالى الإنسانَ عن أن يطغى فيتَّبع هواه فيردى من بعدِ أن يعيشَ معيشةً ضنكاً في هذه الحياةِ الدنيا ثم يُخلَّدَ من بعدها في جهنم فلا يموتُ فيها ولا يحيا (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (37 -39 النازعات). ولكنَّ الامتثالَ لهذا الذي يأمرُنا اللهُ به من وجوبِ العزوفِ عن أن يطغى الواحدُ منا هو أمرٌ دونه خَرطُ القِتاد وذلك لما جُبِل عليه الإنسانُ من نزوعٍ إلى الطغيانِ خِلقةً وجِبلة (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق).
إنَّ هذا “القدَرَ الإنساني”، الذي قُدِّرَ للإنسانِ أن يرزحَ تحت نَيرِه، لا يوجبُ على الإنسانِ ألا يكونَ بمقدورِه أن يتحرَّرَ من تسلُّطِه إن هو عقدَ العزمَ فتوكَّلَ على اللهِ خالقِهِ الذي تعهَّدَ بأن ينصرَ الإنسانَ على نفسِهِ فيُخرجَه من ظلُماتها إلى النور وذلك شريطةَ ألا يطغى. إن طغيانَ الإنسان هو خيارُه هو قبل أن يكونَ قدَراً متسلِّطاً عليه! فاللهُ تعالى ليس هو مَن أطغى الإنسانَ ولكن الإنسانَ هو الذي استكبرَ فطغى.
قارن هذا “الطغيان الإنساني”، الذي لا نجاةَ من شقاءِ الدنيا وعذاب الآخرة إلا بالعزوفِ عنه، بطغيانٍ آخر أنبأنا بخبرِهِ قرآنُ الله العظيم (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (11 الحاقة). فهذا الماء الذي طغى هو ماء الطوفان الذي أهلكَ قومَ سيدِنا نوح عليه السلام (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (14 العنكبوت). وهذا الماءُ ما كان له أن يطغى من تلقاءِ نفسه؛ فاللهُ تعالى هو الذي أطغاهُ فأذِنَ له بأن يطغى. وماءُ الطوفانِ هذا قد قدَّر اللهُ تعالى له أن يطغى، وذلك وفق ما أنبأتنا به سورةُ القمر (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِر. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (11- 12 القمر).
فطغيانُ الإنسانِ إذاً ما هو إلا برهانٌ آخر على هذا التناشزِ الذي لابد لنا من أن نُقِرَّ بوجودِه بين الإنسانِ المؤتمِرِ بأمرِ نفسِه وبين الطبيعة التي لا تأتمرُ إلا بأمر الله خالقِها!

