يريدُنا العلمُ أن نؤمنَ بأنه السلطةُ المعرفيةُ الوحيدة التي لها أن تُحدِّدَ لنا ما ينبغي أن تكونَ عليه الحقيقة! ويُبرِّرُ العلمُ لمطلبِه العجيبِ هذا بأنه قد مُكِّنَ من الوجودِ كما لم يُمكَّن غيرُه! فهل يحقُّ للعلمِ حقاً أن يقولَ ما يقول؟
بدايةً لابد للعلمِ من أن يُقِرَّ بأنه لم يُمكَّن إلا من نزرٍ يسيرٍ من ظواهرِ الوجود، وأن هناك أكثر من 99.9% من ظواهرِ الوجودِ هذه لم يُقدَّر له أن يحيطَ بها علماً! فلا موجِبَ بالتالي لنا لأن نُحكِّمَ العلمَ في الحقيقة طالما لن يكونَ بمقدورِه أن يُمسكَ بناصيتِها حقاً إلا إذا ما تأتى له أن يُحيطَ بظواهرِ الوجودِ كلِّها.
ولكن أنى لهذا أن يحدثَ والوجودُ، على ما قُدِّرَ لهذا العلمِ أن يعلمَ شيئاً يسيراً عن حدوده، ينتشرُ على امتداد ملايين الملايين من السنين الضوئية؟! وأنى لهذا أن يحدثَ والعلمُ عاجزٌ عن أن يسبرَ أغوارَ ما قُدِّرَ له أن يُحيطَ بظاهره فحسب من ظواهرِ هذا العالم؟! فكم هناك من عوالمَ تلطَّفت فاستخفت فاستعصت بذلك على مدارك العالم؟! فيكفينا أن نستذكر في هذا السياق ما أغفلَه العلمُ من ظواهرَ حَكمَ عليها باستحالةِ الحدوث لا لشيء إلا لأنها تتعارضُ مع ما قُدِّر له أن يُحيطَ به من قوانينِ هذا العالم! وما الظواهرُ الخارقةُ للعادة إلا مثالٌ على تعاملِ العلمِ المُجحِف هذا مع ظواهر هذا العالم!
يتبيَّن لنا إذاً من تدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ على العلمِ أن يبقى ملتزماً بالحدودِ المعرفية لما تأتى له أن يُحيطَ به من ظواهرَ فلا يتعدى هذه الحدود ليُملي علينا ما ينبغي للحقيقةِ أن تكونَ عليه! فالعلمُ هو آخرُ مَن يحقُّ له أن يُحدِّدَ وجهَ الحقيقة طالما لم تتجلَّ الحقيقةُ له بوجهِها الحقيقي!

