تحدثتُ في منشورٍ نُشِرَ بتاريخ 27/5، وبعنوان “في معنى قولِهِ تعالى “وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ””، عن أنَّ “كلماتِ الله” تجيءُ في القرآن العظيم أحياناً بمعنى “آياتِ الله” التي ينتصرُ بها اللهُ لأنبيائِهِ ورسُله. و”كلماتُ الله” هذه قد أنبأتنا سورتا لقمان والكهف بعجيبِ أمرها إذ أنها، وكما فصَّلته وبيَّنته هاتان السورتانِ الشريفتان، لا تنفدُ أبداً (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان)، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف).
وعِلةُ دوامِ “كلماتِ الله” واستحالةِ نفادِها ترجِعُ إلى أن هذه الكلمات هي تجلياتٌ لقدرةِ اللهِ تعالى التي تتميزُ بالإطلاقِ والشمول. فكيف لكلماتِ الله أن تنفدَ واللهُ قد أنبأنا في قرآنِه العظيم بأنه على كلِّ شيءٍ قدير، وأنه كان على كلِّ شيءٍ مقتدرا؟!
صحيحٌ أنَّ “كلماتِ الله” تتسلَّطُ على الوجودِ تسلُّطاً يتجلى فيه ما للهِ تعالى من مطلقِ هيمنةٍ وشاملِ سلطة، إلا أنَّ هذا لا ينبغي أن يجعلَنا نظنُّ ونتوهم أنَّ هذه الكلمات لا يمكنُ أن تكون لانهائيةً بذريعةِ تعارُضِ ذلك مع ما يقتضيه تسلُّطُها هذا من تعارضٍ مع القوانينِ والأسباب التي سبقَ للهِ تعالى أن خلقها وسلَّطها على الوجود ليُسيِّرَ بها شؤونَه ويُنظِّمَ بها أمورَه! فنحن ما أن نُقِرَّ بأن اللهَ تعالى على كلِّ شيءٍ قدير حتى نكونَ مُلزَمين ضرورةً بأن نؤمنَ بأن لا نفادَ لكلماتِ الله مهما تعارضت هذه الكلمات مع قوانينِ الوجود وأسبابِه.

