ما كان أنبياءُ اللهِ ورسُلُه ليفوتَهم إدراكُ واحدةٍ من أكثرِ حقائقِ الوجودِ ظهوراً وتجلياً. وهذه الحقيقةُ، الظاهرةُ المتجلية لكلِّ مَن كان له عقلٌ مفكِّرٌ متدبِّرٌ، هي أنَّ هذا الوجودَ قد خلقَه اللهُ مُسبَّباً بأسبابٍ وقوانينَ لا مناصَ من الخضوعِ لها ولا محيصَ عن التأثُّرِ بها طالما كان اللهُ قد خلقَها ليُسيِّرَ بها الأحداثَ إلى أجلٍ مسمى.
ولذلك لم يكن أمامَ أنبياءِ اللهِ ورسُلِهِ، أما وقد طالَهم من أقوامِهم ما طالَهم من تكذيبٍ واستهزاءٍ وعذاب، غير أن يتوجَّهوا إلى مَن بمقدورِه وحدَه أن يرفعَ عنهم ذلك القدَر فيُزيحَه ويُحِلَّ محلَه قدراً آخر تنتهي بمجيئِه عذاباتُهم ويتحقَّقُ بقدومِهِ ما كانوا يُؤمِّلونَ النفسَ به من نصرٍ وفتحٍ وفرج. فأنبياءُ اللهِ ورسُلُه قد أيقنوا تمام اليقين أنَّ اللهَ قادرٌ على أن يتسلَّطَ على ما سبق له وأن خلقَه من قوانينَ وأسباب ليتحقَّق لهم بذلك هذا المراد.
ولنا في دعاء سيدِنا نوح عليه السلام ما يُعينُ على تبيُّنِ ما كان عليه معشرُ الأنبياءِ والرُّسُل من يقينٍ لا يُداخلُه شك بأنَّ اللهَ هو القاهرُ فوق عباده وهو الغالبُ على أمرِه وهو المهيمنُ على كلِّ ما في الوجودِ فلا رادَّ لأمرِه (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (10 القمر). ولقد كان لسيدِنا نوح ما أراد. فيكفينا أن نتدبَّرَ ما جاءتنا به سورةُ القمر من بيانِ ما حدث استجابةً من اللهِ تعالى لدعاء عبدِه المغلوب نوح عليه السلام: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِر. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر. وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ. وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر) (11- 16 القمر).
إنَّ تسلُّطَ اللهِ تعالى على قوانينِ الوجودِ وأسبابِه حقيقةٌ لا يُماري فيها إلا مَن لم يقدِر اللهَ حقَّ قدرِه فحدَّدَ قدرتَه تعالى بهذه القوانينِ والأسباب وفاته بذلك أن يتذكَّر ما جاءنا به القرآنُ العظيم من عشراتِ الأمثلةِ على ما بمقدورِ اللهِ تعالى أن يفعلَه إذا أرادَ شيئاً يتعارضُ حدوثُه مع ما تقضي به هذه القوانينُ والأسباب. فالأمرُ لا يتطلَّبُ غيرَ أن يقولَ اللهُ تعالى للشيءِ الذي يريدُه “كن” فيكون، حتى وإن تعارضَ ذلك مع كلِّ قوانينِ الوجودِ وأسبابِه.

