خلقَ اللهُ الدنيا مُسبَّبةً بأسبابٍ وقوانينَ بالإمكانِ توصيفُها بأنها “دنيونية”، وذلك تمييزاً لها عن الآخرةِ التي سيخلقُها اللهُ يومَ القيامةِ بأسبابٍ وقوانينَ “آخروية”. فالسمواتُ يوم القيامة لن تكونَ كسمواتِ هذه الحياةِ الدنيا، ويصحُّ هذا في الأرضِ التي ستُبدَّلُ ذلك اليوم غيرَ الأرضِ التي نعرف (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (48 إبراهيم).
إنَّ تدبُّرَ ما تقدَّم يُعينُ على الإجابةِ على سؤالٍ طالما تبادرَ إلى الأذهان، وهو: “لماذا خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ولم يخلقهما بأن يقولَ لهما “كن فيكون”؟”، علماً بأن هذه الأيام الستة لم يُحدِّد القرآنُ العظيم ما إن كانت أياماً كأيامِنا أم أياماً كتلك التي جاءنا بنبئها هذا القرآن (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون) (5 السجدة)، (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4 المعارج).
فهذه الدنيا ما كان لها أن تُخلَقَ بأن يقولَ اللهُ لها “كن فيكون” فتُصبِحَ قوانينُها وأسبابُها “آخرويةً” فلا يتحقق بالتالي مرادُ اللهِ تعالى من خلقِها متمايزةً عن الآخرة التمايزَ الذي سوفَ يتحقَّقُ بمقتضاهُ الفصلُ بين أهلِها وذلك استناداً لما عملوا فيها. لقد خلقَ اللهُ تعالى السمواتِ والأرضَ في هذه الحياةِ الدنيا بقوانينَ وأسبابٍ تلطَّفَ من وراءِ حجابِها، وذلك حتى لا يكونَ يسيراً أمرُ اهتداءِ عقلِ الإنسان إليه، وحتى لا يندفعَ إلى عبادتِه إلا مَن لم يحُل هذا الحجابُ دون أن يتبيَّنَ تواجُدَه تعالى فيهتدي بهَديٍ منه إليه.
إذاً خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ، ولم يخلقهما بأن يقولَ لهما “كن فيكون”، وذلك حتى يتكفَّلَ تدبُّرُ قوانينِ الوجودِ وأسبابِه بجعلِ العقلِ المتفكِّرِ المتدبِّر يجدُ فيما انتهى إليه من أنباءِ خلقِ اللهِ تعالى بـ “كن فيكون” الدليلَ والبرهان على أنه تعالى هو بحق الإلهُ الحق الذي دعا إليه الأنبياءُ والمُرسَلون. فلو أنَّ اللهَ تعالى خلقَ السمواتِ والأرض بأن يقولَ لهما “كن فيكون”، فإن ذلك كان ليجعلَ الغالبيةَ العظمى من بني آدم مضطرةً إلى الإقرارِ بوجوبِ أن تعبدَ اللهَ كرهاً لا اختياراً، وهذا ما لم يكن ليتحقَّق به مرادُ اللهِ تعالى من تمييزٍ بينهم يتحقَّقُ بمقتضاهُ تبيُّنُ أصحابُ الجنةِ من أصحابِ النار.

