ما كانت هذه الحياة الدنيا لتكون “دارَ ابتلاء” لو أنَّ اللهَ تعالى خلقَ سمواتِها وأرضَها وذلك بأن يقول لهما “كن فيكون” (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (من 7 هود). فحتى تكونَ الدنيا دارَ ابتلاءٍ، فإن ذلك كان ليقتضي وجوبَ أن يخلقَها اللهُ تعالى مُسبَّبةً بقوانينَ وأسباب، وذلك حتى يتحقَّقَ تمايزُ بني آدمَ متَّقين وفُجاراً (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (22 الجاثية). فلو أنَّ اللهَ تعالى كان قد خلقَ الدنيا، وذلك بأن يقولَ لها “كن فيكون”، ما كان هناك ما يُحتكَمُ إليه ليتحقَّق به هذا التمايزُ، ولكان الكلُّ أمةً واحدةً يعبدون اللهَ بين كُرهٍ واختيار (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون) (من 48 المائدة).
فعالَمٌ خلقَه اللهُ بأن يقول له “كن فيكون” هو عالمٌ لا تحكمُهُ تلك القوانينُ والأسباب التي خُلِقت بها دُنيانا. وبالتالي فإن هكذا عالَماً لن يُقدِّمَ ما من شأنهِ أن يكفلَ تمييزَ وتمحيصَ أهلِه الذين لن يجدوا فيه ما يُعينُ النفسَ على عصيانِ أمرِ الله ولا ما يُمكِّنُ الهوى من التسلُّطِ على العقولِ والقلوب.
إنَّ كلَّ ما في هذه الحياةِ الدنيا من مفرداتٍ لا يمكنُ على الإطلاق أن يتحقق لعقلِ الإنسانِ أن يقعَ على حقيقتِها ما لم ينظر إلى هذه الدنيا بعينِ عقلٍ موقِنٍ بأنَّ اللهَ تعالى ما خلقها إلا لتكونَ العالمَ الذي يسبقُ قدومَ عالمِ الآخرة. وبذلك تتبيَّنُ لنا جلياً العلةُ من وراءِ خلقِ اللهِ تعالى للسمواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ كان لابد منها حتى يتحقَّقَ للدنيا ما يجعلُ منها دنيا.

