في معنى قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ”

جعل اللهُ تعالى حياةَ بني آدمَ في الأرضِ يحكمُها قانونٌ إلهي يقضي بأن يكونَ بعضُ بني آدمَ خلفاءَ بعض (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) (من 165 الأنعام). وهذا القانون عامٌ في حقِّ بني آدم كلِّهم جميعاً فلا يُستثنى منه أحدٌ، وهو القانونُ ذاتُه الذي استخلفَ اللهُ بمقتضاهُ سيدَنا آدم وذلك عندما جعله خليفةً في الأرضِ من بعدِ أن أهلكَ مَن كان فيها يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). والأصلُ في “الخليفة” أن يكونَ هو خيراً ممَّن استُخلِفَ من بعدهم. ولكنَّ هذا الافتراضَ لا يتحقَّقُ على أرض الواقع دوماً؛ فقد يخلفُ قومٌ مُفسِدونَ قوماً كانوا أقلَّ منهم إفساداً في الأرض، والأمرُ لله يستخلفُ من يشاء وهو العليمُ الخبير.
إنَّ الاستخلافَ الإلهي لبني آدمَ، بأن يجعلَ اللهُ بعضَ بني آدم خلفاءَ بعض، هو قدرٌ توارثته البشريةُ منذ أولِ استخلافٍ قُدِّرَ لهذه الأرض أن تكونَ شاهدةً عليه يومَ صيَّرَ اللهُ تعالى سيدَنا آدم خليفةً فيها من بعدِ قومٍ آخرين (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (من 129 الأعراف)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) (133 الأنعام)، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (57 هود).
وما هذا الاستخلافُ الإلهي إلا “استبدالٌ” جاءتنا سورةُ محمد بما إن نحن تدبَّرناه تبيَّنَت لنا وتجلَّت حقيقتُه (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (من 38 محمد).

أضف تعليق