ما كان لهذا الوجودِ أن تقومَ له قائمةٌ لولا أنَّ اللهَ تعالى كان قد بثَّ فيه وسلَّطَ عليه قوانينَ وأسباباً تكفَّلت بأن تسيرَ أمورُه كلُّها جميعاً وفقاً لما تقضي به مشيئتُه وتشاءُ إرادتُه. ولقد كان لهذا “التدبيرِ الإلهي” ما جعلَ من الوجودِ مستعصياً على أن يظهرَ فيه الفساد. فالطبيعةُ قد خلقَها اللهُ تعالى وجعلها طائعةً لهذه القوانينِ والأسباب إطاعةً لا تحيدُ عنها قِيدَ أنمُلة (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (11 فصلت).
والطبيعةُ لم تعرف الفساد إلا على يد الإنسان وذلك مصداقَ ما جاءتنا به سورةُ الروم في آيتها الكريمة 41 (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ). وإذا كانت الحياةُ الدنيا قد استقرَّت أمورُها بإذنِ اللهِ تعالى، إلى أجَلٍ مسمى، بهذه الإطاعةِ منها لما بثَّهُ اللهُ فيها وسلَّطه عليها من قوانينِه وأسبابِه، فإنَّ للهِ تعالى أن يتدخَّلَ في أمورِ هذه الحياةِ الدنيا تدخُّلاً مباشراً ليقضيَ بذلك أمراً كان مفعولاً. فما كانت هذه الأسبابُ والقوانينُ لتحولَ دونَ أن يُمضيَ اللهُ إرادتَه ويُنفِذَ مشيئتَه ليتحقَّق بذلك مقصودُه ومُرادُه. ولذلك جاءتنا سورةُ يوسف بما أنبأتنا به الآيةُ الكريمة 21 منها (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
فاللهُ تعالى لن تقِفَ أسبابٌ أو قوانين في وجهِ إرادتِه. وللهِ تعالى أن يتسلَّطَ على هذه القوانينِ والأسباب تسلُّطاً يتحقَّقُ بمقتضاهُ ما من شأنِهِ أن يجعلَ الغلبةَ لأمرِهِ ومرادِه. فما كانت قوانينُ الوجودِ وأسبابُه لتفعلَ ما سبقَ للهِ تعالى وأن أجازَها به إذا كان في ذلك ما يتعارضُ مع تحقُّقِ مقصودِه ومرادِه. صحيحٌ أنَّ الغالبَ الأعَمَّ من وقائعِ وأحداثِ وظواهرِ هذا الوجود قائمٌ بهذه الأسبابِ والقوانين، إلا أنَّ اللهَ تعالى يبقى الغالبَ على أمرِهِ والقاهرَ فوقَ مخلوقاتِه والمهيمنَ على أسبابِه وقوانينِه هذه.

