في معنى قوله تعالى “فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا”

إذا كان الوجودُ عاجزاً عن أن يكونَ بمقدورِهِ أن يتسبَّبَ في حدوثِ ما يحدثُ فيه من وقائعَ وأحداثٍ وظواهر لولا ما بثَّه اللهُ تعالى فيه من أسبابٍ وقوانين، فإنَّ هذا الوجودَ لا قدرةَ له على أن يتماسَكَ فلا يزولَ لولا أنَّ اللهَ تعالى يُمسِكُ بسمواتِهِ وأرضِه (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر)، (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (من 65 الحج).
فتماسُكُ الوجودِ مُتحقِّقٌ بإمساكِ اللهِ تعالى بموجوداتِهِ كلِّها جميعاً. واللهُ تعالى يُمسِكُ هذا الوجودَ بلطيفِ تواجُدِهِ فيه؛ هذا التواجدُ الذي يتمايزُ شدةَ كثافةٍ، وذلك وفقاً لما يقضي به أمرُه تعالى.
ولنا فيما حفظته لنا سورةُ الأعراف من قَصَصِ سيدِنا موسى عليه السلام ما يُعينُ على تبيُّنِ جانباً من هذا التمايُزِ في شدةِ كثافةِ التواجُدِ الإلهي في هذا الوجود (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (من 143 الأعراف). فالجبلُ كان “مستقراً مكانه”، وذلك قبل أن يتجلى اللهُ تعالى له. وهذا يعني أنَّ ما حدثَ للجبلِ جراء تجلِّي الله تعالى له بالإمكانِ إيجازُه بأنَّ ذلك يعودُ إلى “اشتدادِ” كثافةِ التواجُدِ الإلهي من حولِه.

أضف تعليق