من عجيبِ لغةِ القرآن

لن يُمكِّنَنا القرآنُ العظيم من الوقوعِ على المعنى الذي ينطوي عليه نصُّه الإلهي المقدس إلا إذا ما نحنُ تدبَّرنا آياتِه الكريمة على ضوءٍ من إيقانِنا بأنَّ اللغةَ القرآنيةَ ليس لها أن تتماهى بالضرورة مع أحكامِ وقواعدِ اللغةِ التي بها نقرأ ونكتب! فللقرآنِ العظيم لغتُه العربيةُ المتمايزةُ عن لغتنا تمايزاً لا ينفي أن يكونَ هناك تماهٍ بين العربيتين أحياناً. غيرَ أنَّ هذا لا ينبغي أن يجعلَنا نغفلُ عن تبيُّنِ “استثنائيةِ” النصِّ القرآني وتفرُّدِه، لأننا إن فعلنا ذلك فسوف ينتهي بنا الأمرُ إلى الإخفاقِ في الوقوعِ على معناه.
وفي هذا المنشورِ سوف أتطرَّقُ إلى ما يتمايزُ به “الاستثناء” في القرآنِ العظيم عن الاستثناء كما حدّدته قواعدُ لغتِنا العربية الدارجة وقضت به أحكامُها. فـ “المستثنى” في القرآنِ العظيم لا يُشترطُ به أن يكونَ متصفاً بما تتمايزُ به الطائفةُ أو الفئةُ أو الفرقةُ أو الجماعةُ التي أخرجَه عليها ما جعلَه يُستثنى منها. وسوف أوردُ في هذا المنشور مثالَين على “استثنائية” هذا الاستثناء القرآني:
فاللهُ أمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا لآدم، فكان أن أبى إبليسُ أن يمتثلَ لأمرِ الله! لنتدبر الآيةَ الكريمةَ التالية: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (34 البقرة). فإن نحنُ قرأنا هذه الآيةَ الكريمة بلسانِنا العربي الدارج، فسوف نستنتجُ بأنَ إبليس كان من الملائكة! ويُفنِّدُ هذا الاستنتاجَ ويدحضُه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآية الكريمة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (من 50 الكهف).
ومثالٌ آخر على ما يتميَّزُ به الاستثناء القرآني من تفرُّدٍ واستثنائية هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتذكُّرِنا قصَصِ سيدِنا لوط عليه السلام كما وردت في القرآنِ العظيم. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِين) (57 -60 الحجر). ومرةً أخرى، فإن نحنُ قرأنا هذه الآياتِ الكريمة بلسانِنا العربي الدارج، فسوف نخلُصُ إلى أنَّ امرأةَ سيدِنا لوط كانت من آلِهِ عليه السلام! ويفنِّدُ ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِنا الآيات الكريمة التالية: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) (33- 34 القمر)، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (56 النمل). يتبيَّنُ لنا إذاً أن امرأةَ سيدِنا لوط لم تكن على الإطلاق من آله.
إذاً فللقرآنِ العظيم لسانُه العربيُّ المُبين الذي ليس له أن يتطابقَ بالتمامِ والكلية مع لسانِنا العربي الدارج. وسوف ينجمُ عن إخفاقِنا في تبيُّنِ هذا التمايُزِ بين اللسانين إيغالُنا في النأي بعيداً عن تبيُّنِ المعنى الذي ينطوي عليه نصُّهُ الإلهيُّ المقدس.

أضف تعليق