في معنى قوله تعالى “فللهِ المكرُ جميعاً”

وصفَ اللهُ تعالى نفسَه بأنه “خيرُ الماكرين” (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54 آل عمران)، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (من 30 الأنفال). كما وجاءتنا سورةُ الرعد في الآية الكريمة 42 منها بتأكيدٍ إلهي مفادُه أن للهِ المكرَ جميعاً (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا). فلماذا كان اللهُ “خيرَ الماكرين”؟ ولماذا كان للهِ المكرُ جميعاً؟
قبل أن نُجيبَ على هذين السؤالين لابد لنا من أن نستذكرَ أنَّ كُلَّ ما بمقدورِ الماكرين من بني آدم أن يكيدوه من مكر هو حصيلةُ ونِتاجُ ما قُدِّرَ لهم أن تصلَ إليه أيديهم من قوانينِ المكرِ وأسبابِه. إذاً فلا وجهَ هناكَ للمقارنةِ بين مكر الماكرين ومكر الله. فإذا كان اللهُ هو الذي مكَّنَ الماكرين، فكان لهم بذلك أن يكيدوا مكرَهم مستندِين إلى بعضٍ من قوانينِ الله وأسبابِه، فإنه تعالى هو مَن له “الكلمةُ العليا” و”السلطةُ المطلقة” على أسبابِ الوجودِ وقوانينِه كلِّها جميعاً. فكيف لا يكونُ اللهُ إذاً خيرَ الماكرين؟ وكيف لا يكونُ المكرُ للهِ جميعاً؟
إنَّ تسلُّطَ اللهِ تعالى على الوجودِ حقيقةٌ لابد من أن نقدِرَها حقَّ قدرِها؛ فإن نحنُ فعلنا ذلك، كان لنا أن نُحيطَ بما له أن يُمَكِّنَنا من أن نُجيبَ على الكثيرِ من الأسئلةِ ذاتِ الصلة بعلاقةِ اللهِ بالوجودِ وبما فيه. وعندها سيتبيَّنُ لنا أنَّ تحديدَنا لقدرةِ اللهِ تعالى بالأسبابِ والقوانينِ، التي سبق له وأن خلقَها فبثَّها في الوجودِ لتجريَ أحداثُه بمقتضاها، قد جعلَنا بعيدين كلَّ البُعدِ عن كلِّ ما ينبغي أن يكونَ عليه المؤمنُ باللهِ حقَّ الإيمان! إذ كيف يستقيمُ أن نكونَ مؤمنين باللهِ حقَّ الإيمانِ وقلوبُنا وعقولُنا لا تُقِرُّ بتسلَّطِ اللهِ على الوجودِ وما فيه؟!

أضف تعليق