تتمايزُ شخصياتُ أنبياءِ اللهِ المُرسَلين فيما بينها تمايزاً، إن نحنُ تدبَّرناهُ التدبُّرَ الصائبَ لتبيَّنَ لنا أنَّ فيه ما يكفينا دليلاً وبرهاناً على أنَّ القرآنَ العظيم لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله. فقصَصُ أنبياءِ الله المُرسَلين كما حفظَها لنا القرآنُ العظيم بوسعِها أن تُبيِّنَ لمن يتدبَّرُها هذا الذي هم عليه من تباينٍ في المِزاجِ والطِباع. فبينما يُفاجؤنا سيدُنا موسى عليه السلام بما كان عليهِ من شديدِ غضبٍ، نجدُ سيدَنا إبراهيم بالمقابل صبوراً حليماً! غيرَ أنَّ هذا الاختلافَ في الطبعِ والمزاج لم تكن له علاقةٌ من قريبٍ أو بعيد بما جعلَ من كلٍّ منهما يُصبِحُ نبياً رسولاً من أولي العزم. وهذا إن برهنَ على شيء، فإنما يبرهنُ على أنَّ الأمرَ لا علاقةَ له بما ينبغي أن تكونَ عليه شخصيةُ النبي المُرسَل طالما كان المُرسِلُ هو اللهُ الذي هو أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالته (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (من 123 الأنعام).
ويكفينا في هذا المقام أن نستذكرَ ما كان سيدُنا إبراهيمُ عليه من جميلِ صبرٍ وعظيمِ أناه؛ الأمرُ الذي تجلى أيما تجلٍّ في ردِّ فعلِه عليه السلام على إخبارِ الملائكةِ له بما كانوا ينتوون القيامَ به من إهلاكٍ لقومِ سيدِنا لوط عليه السلام. صحيحٌ أنَّ سيدَنا إبراهيم كان يعلمُ علمَ اليقين أن لا رادَّ لأمرِ اللهِ إذا جاء، إلا أنه مع ذلك شرعَ يلتمسُ الإعذارَ ويأتي بالحُجج علَّ اللهَ يُحدِثُ أمراً ينجو القومُ بمقتضاهُ (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (74- 76 هود).

