حفظَ لنا القرآنُ العظيمُ قصَصَ بلدة “سبأ”، وذلك في سورة سبأ. لنتدبر الآيات الكريمة 15- 17 منها: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور).
فلقد كانت “سبأ” بلدةً طيبةً، إلا أنَّ أهلَها طَغوا فبَغوا في الأرضِ، وفرحوا بما عندهم من العلم، وظنوا أن ليس هناك مَن هو أشدُّ منهم قوة، فما كان من اللهِ تعالى إلا أن عاجلَهم بعذابٍ أتى على ما كانوا يُفاخِرونَ به البلداتِ من حولِهم. وما ذلك إلا لأنهم آثروا أن يتَّبعوا إبليسَ على أن يعبدوا اللهَ الواحدَ الأحد فلم يُعرِض عن اتِّباعه إلا فريقٌ من المؤمنين (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (20 سبأ)، فكان أن جرى عليهم ما سبقَ وأن أجراهُ اللهُ تعالى على مَن سبقهم إلى اتِّباعِ إبليس من أقوامِ القرونِ الخالية (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) (19 سبأ).
وبذلك يكونُ إبليسُ قد صدَّقَ عليهم ظنَّه؛ هذا الظنُّ الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَ تفاصيلَه بتدبُّرِنا ما حفظه لنا القرآنُ العظيم من قصَصِ إبليس الذي أقسمَ بعزةِ اللهِ تعالى إنه لفاعلٌ ما بوسعهِ ليُضِلَّ بني آدم أجمعين إلا مَن كان منهم من عبادِ اللهِ المُخلَصين (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين) (82- 83 ص).

