تردُ العبارةُ الجليلةُ “بإذنِ الله” في القرآنِ العظيم بمعنى آخر هو غيرُ المعنى الذي تواضعنا على الأخذِ به. فالمعنى المتعارَف عليه لعبارة “بإذن الله” هو “إن شاء الله”. إلا أنَّ هذا المعنى هو أبعدُ ما يكون عن المعنى الذي تنطوي عليه آياتٌ كريمةٌ من مثل: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 49 آل عمران)، (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 249 البقرة)، (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 251 البقرة)، (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 38 الرعد)، (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 11 إبراهيم)، (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 97 البقرة).
فنحن إن تدبَّرنا هذه الآياتِ الكريمة، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ أنَّ معنى “بإذن الله” في كلٍّ منها هو “بحولِ الله”، أي بقوةٍ من لدن الله، ومدَدٍ من عندِ الله. فالأمرُ لو كان موكولاً إلى أسبابِ الوجود وقوانينِه لما قُيِّضَ له أن ينبثقَ إلى الوجودِ طالما كان انبثاقُهُ هذا يتعارضُ بالتمامِ والكلية مع هذه الأسبابِ والقوانين، وطالما كان حدوثُ هذا الأمر يتطلَّبُ تدخلاً إلهياً مباشراً لا قدرةَ لأسبابِ الوجودِ وقوانينِه هذه على أن تحولَ دون تسلُّطِهِ عليها، ناهيك عن استحالةِ تمكُّنها من أن تتسبَّبَ فيه من وقائعَ وأحداثٍ وظواهر يكفينا أن نتدبَّرَ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمةٍ أعلاه حتى تتبيَّنَ لنا العلةُ من وراءِ هذه الإستحالة.
إذاً فالعبارةُ الجليلة “بإذنِ الله” في القرآنِ العظيم تُملي علينا أحياناً أن نتدبَّرها آخذين بنظرِ الاعتبار الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ للهِ تعالى أن يتدخَّلَ أحياناً في سيرِ أحداثِ الوجود تدخلاً مباشراً ينجمُ عنه من عجيبِ الأمورِ وغريبِها ما ليس بمقدورِ مخلوقٍ أن يتسبَّبَ في حدوثِه.

