يُصِرُّ كثيرٌ منا على أن يقرأوا القرآنَ العظيم قراءةً بعيدةً كلَّ البُعد عن التدبُّرِ الذي أمرَنا اللهُ تعالى أن نقرأَ آياتِهِ به. ولقد انتهت قراءةُ القرآنِ غيرُ المتدبِّرةِ هذه بكثيرٍ منا إلى الوقوعِ في أخطاءٍ جسيمة فاقمَها ما شابَ هذه القراءةَ من تشبُّثٍ بمقاربةِ آياتِه الكريمة بلسانِنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه على مَرِّ الزمان!
ولا أدلَّ على ذلك من نفورِ كثيرٍ منا من توصيفِ اللهِ تعالى بـ “المتسلِّط” ظناً منا وتوهُّماً أنَّ في ذلك ما يتعارضُ مع ما ينبغي أن يكونَ عليه اللهُ تعالى، وذلك طالما كانت مقاربتُنا لكلمة “التسلُّط” قد جعلتنا نُلحِقُ بها من المعاني ما لا تنطوي عليه! فـ “التسلُّط”، وفقاً لعربيتِنا التي اعوجَّت فلم تعد مطابقةً لعربيةِ القرآنِ العظيم، هو أن تكونَ للمتسلِّطِ سطوةٌ على المستضعفين في الأرضِ دون وجهِ حق. ولكن هذا المعنى هو أبعدُ ما يكون عن المعنى القرآني لـ “التسلط”، والذي بإمكانِنا أن نتبيَّنه على ما هو عليه حقاً وحقيقة بتدبُّرِنا الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) (من 90 النساء)، (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (6 الحشر).
فاللهُ “يُسلِّطُ” مَن يشاء على من يشاء، ولذلك فهو تعالى “المُسلِّط”، ولذلك أيضاً فهو تعالى “المُتسلِّط” الذي تُبرهنُ قدرتُه على “التسليط” هذه على أنَّه “المتسلِّطُ” على خَلقِهِ كلِّهم جميعاً. فاللهُ تعالى لا يكتفي إذاً بما سبقَ وأن بثَّه في الوجودِ من قوانين وأسباب حتى تجري وقائعُه وأحداثُه وظواهرُه وفقاً لما قضت به مشيئتُه وشاءت إرادتُه، ولكنه يحتفظُ لنفسِه دوماً بحق التدخُّل المباشر في سيرِ هذه الوقائعِ والأحداثِ والظواهر تسلُّطاً يُبرهنُ على أنَّ له تعالى السلطةَ المطلقة على هذه الوقائع والأحداث والظواهر والقوانين والأسباب.

