يظنُّ المُلحِدون أنَّهم أفضلُ حالاً من غيرِ الملحدين، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بـ “التديُّن” الذي يتوهَّمُ الملحدونَ أنَّهم قد أصبحوا في حلٍّ من التقيُّدِ بضوابطِهِ ومُحدِّداتِهِ من بعدِ أن اتَّخذوا قرارَهم بألا يَدينوا بأيِّ دين!
ولكن، هل الملحدونَ هم حقاً كما يظنون؟
تقتضي منا الإجابةُ على هذا السؤال أن نُجيبَ قبلَها على السؤالِ التالي: “هل يستطيعُ الإنسانُ حقاً أن يعيشَ دون أن يكونَ متديناً، كائناً ما كان الدينُ الذي يدينُ به؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال بالنفي القاطع أن نستذكرَ هذا الذي هو عليه البشرُ منذ ما يُسمى بـ “بداية التاريخ” إلى يومنا هذا. فهل وُجِدَ يوماً إنسانٌ على هذه الأرض لم يكن متديِّناً بهذا “الدين” أو ذاك من “الأديان”؟ وهنا لابد من أن نُشدِّدَ على أنَّ هذه “الأديان” التي تديَّنَ، ويتديَّنُ، بها البشر تشتملُ على كلِّ ما من شأنِهِ أن يُمثِّلَ المنهاجَ التعبُّدي الذي يضطرُّ الإنسانَ إلى التقيُّدِ بضوابطِه ومُحدِّداتِهِ حتى وإن كان هذا المنهاجُ قائماً على أساسٍ من تعبُّدِ الإنسانِ لِذاتِهِ! فالمُلحدون مثلاً يَدينون بـ “دينِ التعبُّدِ للذات”! ولذلك فالمُلحدُ لا يتمايزُ عن غير الملحد بانتفاءِ التعبُّدِ لكيانٍ ما أو كينونةٍ ما!
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ الإنسانَ عاجزٌ عن أن يعيشَ دون أن يكونَ متديِّناً، وأنَّ العلةَ من وراءِ هذا العجز لابد وأن تكونَ ذات صلةٍ بماضي الإنسان التطوري، لا كما انتهى إلى كتابةِ صفحاتِه “التطوريون المُلحدون”، ولكن كما ينبغي أن تُكتبَ صفحاتُه استرشاداً بما جاءنا به القرآنُ العظيم، وبما يُمكِّنُنا هذا الاسترشادُ من أن نتبيَّنَ به القصةَ الحقيقيةَ لتطور الإنسان.

