لا يمكنُ لمتدبِّرِ قصَصِ سيدِنا آدم، كما حفظها لنا القرآنُ العظيم، ألا يلحظَ ما اعترى الملائكةَ عليهم السلام من شديد “اضطرابٍ” إذ قال لهم اللهُ تعالى إنَّه “جاعلٌ في الأرضِ خليفة” (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (من 30 البقرة).
كما أنَّ متدبِّرَ هذه القصَصِ الجليلةِ لا يمكنُ له، بالمقابل، ألا يلحظَ ما كان عليه الملائكةُ من “تقبُّلٍ وقَبولٍ” بما قالَه لهم اللهُ تعالى من أنه بصددِ القيامِ به من خلقٍ لبشرٍ من طين، وما يتوجَّبُ عليهم القيامُ به حال اكتمالِ تخلُّقه من سجودٍ له (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (27- 31 الحجر)، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (71- 74 ص)، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (34 البقرة).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم أن العلةَ من وراء اضطرابِ الملائكةِ الشديدِ هذا هي ذاتُ صلةٍ بما بإمكانِ تدبُّرِ الكلمةِ القرآنيةِ الجليلة “خليفة” أن يُبيِّنَه لمُتدبِّرِها ومتدبِّرِ السياقِ الذي وردت خلاله.
فما الذي عَنَّ للملائكةِ فجعلهم يضطربون هذا الاضطرابَ الشديد إثرَ سماعِهم كلمة “خليفة” على وجهِ التحديد؟ هذا ما سوف أتطرَّقُ إليه إن شاء الله في منشورٍ لاحق.

