يقتضي تدبُّرُ القرآنِ العظيم من قارئِ آياتِه الكريمة أن يُدرِكَ بادئَ ذي بدء أنَّه يتعاملُ مع نَصٍّ ليس كمثله نَص، وأنَّ إخفاقَه في تبيُّنِ هذا الذي يتمايزُ به النَصُّ القرآني عن غيرِهِ من النصوص سينتهي به إلى الوقوعِ على غيرِ المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيات!
ومن بين أبرزِ ما يتميَّزُ به النَّصُّ القرآني هو أنَّ تتابُعَ الأحداثِ فيه لا يعني بالضرورة أن تتابعَها هذا له ما يتماثلُ معه في عالمِنا الدنيوي وقائعَ وأحداثاً لا يفصلُ بين أيِّ حدثَين منها من الزمانِ ما هو ذو بال. ولذلك فإنَّ القراءةَ المتدبِّرةَ لآياتِ القرآنِ العظيم تتطلَّبُ منا وجوبَ أن نضعَ نصبَ أعيُنِنا أنَّه قد يفصلُ بين حدثَين قرآنِيَين متتالِيَين من زمانٍ ما لا يمكنُ لنا أن نُحيطَ به آماداً وأحقاباً لا يعلمُ مقدارَها على ما هي عليه حقاً وحقيقة إلا الله. فيكفينا أن نستذكرَ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من أنباءِ سيدِنا آدم الذي بيَّنت آياتُ هذا القرآن أنَّ سجودَ الملائكةِ له عليه السلام لم يحدث مباشرة بعد أن أنبأَهم اللهُ تعالى بأنَّه خالقٌ بشراً من طين (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (71- 74 ص).
فسجودُ الملائكةِ لآدم جاءَ بعد مدةٍ من الزمانِ على اكتمالِ تخلُّقِهِ لا يعلمُها إلا الله، ولم يحدث مباشرةً كما نظنُّ ونتوهَّم!

