في معنى قوله تعالى “وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هُو”

كنت قد انتهيتُ في منشورٍ سابق، عنوانه “في معنى “الرَّصَد” في القرآنِ العظيم”، إلى أنَّ القرآنَ العظيم قد عرَّفنا بطائفةٍ من خَلقِ اللهِ تعالى وصفهم بأنهم “جنود الله” تارة، وبأنهم “جنود السموات والأرض” تارةً أخرى، وأنَّ هؤلاء الجنود هم من الملائكة.
ولقد جاءتنا سورةُ المدثِّر في الآية الكريمة 31 منها بما من شأنِهِ أن يُعينَ على تبيُّنِ شيءٍ من حقيقةِ جنودِ اللهِ تعالى هؤلاء، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بأن لا أحد يعلمُ ما هم عليه حقاً وحقيقةً إلا الله (وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو). فما الذي تقصدُ إليه هذه الآيةُ الكريمة بهذا التأكيدِ منها أنَّ اللهَ وحدَه هو مَن يعلمُ جنودَه؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ الكهف من أنَّ أصحابَ الكهفِ لا يعلمُهم إلا قليل (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) (من 22 الكهف).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما جاءتنا به هذه الآيةُ الكريمة أنَّ “مَن يعلمُ أصحابَ الكهف” هم نفرٌ قليل، وأنَّ هذا العلمَ هو “علمٌ بِعِدَّتهم”، أي بِعدَدِهم الحقيقي. وقياساً على ذلك، فإنَّ بإمكانِنا الآن أن نتبيَّنَ المعنى الذي تنطوي عليه الآية الكريمة 31 المدثر أعلاه، وأنَّ هذا المعنى هو ذو صلةٍ بـ “عِدَّةِ جنودِ الله”، أي بِعدَدِهم الحقيقي الذي لا يعلمُه إلا الله تعالى.
وبذلك فإن بإمكاننا أن نوجِزَ هذا المعنى بالكلمات التالية: “لا يعلمُ عددَ جنودِ الله من الملائكةِ على ما هو عليه حقاً وحقيقة إلا الله”.

أضف تعليق