ما الذي حدا بسيدنا زكريا عليه السلام لأن يدعوَ اللهَ تعالى دعاءَه الذي حفظته لنا سورةُ آل عمران في الآية الكريمة 38 منها “رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً”؟
يُعينُ على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ ذلك أن نتدبَّرَ ما جاءتنا به سورةُ مريم في الآية الكريمة 8 منها (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا). فسيدُنا زكريا كان يُدرِكُ ما ينطوي عليه أمرُ أن تكونَ له ذريةٌ من صُلبِه من استحالةٍ حتَّمها كونُ امرأتِه عاقراً وكونُه قد بلغ من الكِبَر ما يجعلُهُ غيرَ قادرٍ على الإنجاب، فكان أن توجَّهَ إلى اللهِ تعالى يدعوه أن يهبَ له من لدنه ذريةً طيبة.
فسيدُنا زكريا سألَ اللهَ تعالى أن يهبَ له هذه الذريةَ بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدنه وذلك من بعدِ أن تبيَّنت له هذه الاستحالةَ. فإذا عزَّت الأسبابُ التي خلقَها اللهُ تعالى ليتسبَّب بها حدوثُ ما يحدثُ في هذا الوجود من وقائع وظواهر وأحداث، فلا مناص هناك بالتالي من اللجوءِ إلى الله الذي خلقَ هذه الأسبابَ كلَّها جميعاً، وهو القادرُ على أن يخلقَ ما يشاء من دونِ الأخذِ بهذه الأسباب. فسيدُنا زكريا كان موقناً بأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يهبَ له غلاماً بمجرد أن يقولَ له “كن” فيكون.

