نُخطِئُ إن نحنُ ظنَنَّا أنَّ النفسَ الإنسانيةَ قد تطوَّرت عبرَ الزمانِ بتطوِّر عقل الإنسان! فإذا كان الإنسانُ قد تطوَّرَ منه العقلُ، وذلك بشهادةٍ مما هو عليه اليومَ من تقدُّمٍ حضاري ورُقي تكنولوجي، فإنَّه لا يمكنُ لنا أن نقولَ الشيءَ ذاته عن نفسِه التي ظلَّت على حالِها منذ أن قتلَ إبنُ آدمَ أخاه تكبراً وغروراً واستعلاءً وحباً للتفاخُرِ والتكاثُرِ بالأموالِ والأولاد، وإصراراً على مناكفةِ الحق ومجافاتِه وتشبُّثاً بموالاةِ الباطل ومناصرتِه!
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ما شخَّصه القرآنُ العظيم في الإنسانِ، من حرصٍ على ألا يحيدَ عن دربِ أسلافِهِ في الإعراضِ عن جادةِ الحق وملازمة سبيل الباطل، أنَّه يُكرِّرُ ويستنسِخُ ما كان يقومُ به أسلافُه هؤلاء فيحذو حذوَهم في الصغيرةِ والكبيرة، طالما كان الأمرُ متعلِّقاً بما تُزيِّنُه له نفسُه من استساغةٍ لهذا الباطلِ ومجٍّ لهذا الحق. لنتدبر ما حفظه لنا القرآنُ العظيم من أمرِ السابقين ومَن جاء بعدهم من تابعين ما خالفوا يوماً عن نهجِ مَن سبقَهم (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (52- 53 الذاريات)، (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (118 البقرة).

