
آيتان كريمتان تُفصِّلان وتُبيِّنان ما كان عليه إبراهيمُ عليه السلام من رقةِ قلبٍ ورهافةِ إحساس لا يمكنُ لمن يتدبَّرُ إحداهما أن يقوم بذلك إلا بتدبُّرِ الأخرى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114 التوبة)، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (74- 75 هود).
فقد يظنُّ البعضُ أنَّ ما بدرَ عن سيدِنا إبراهيم من مجادلةٍ للهِ تعالى في قومِ سيدِنا لوط، إذ لا ينبغي أن تصدرَ عنه عليه السلام في قومٍ فاسقين جاهلين عادين، إنما يُبرِّرُ له هذا الذي كان عليه سيدُنا إبراهيم من حالٍ مع مَن غلبت عليه شِقوتُه، تلمُّساً لما قد يكون فيه معذرةٌ لهم إلى الله تعالى، وأنَّ ذلك ينسحبُ أيضاً على ما قام به سيدُنا إبراهيم من استغفارٍ لأبيه، الأمرُ الذي لم يكن يقتضي منه عليه السلام أن ينتظرَ حتى يتبيَّنَ له أنَّه عدوٌ لله حتى يتبرَّأ منه.
وهذا ظنٌّ لا يستقيمُ مع ما ينبغي أن ينتهيَ بنا إليه تدبُّرُنا لهاتين الآيتَين الكريمتين. فاللهُ تعالى، إذ أنهى إحداهما بالعبارةِ القرآنيةِ الجليلة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) وأنهى الأخرى بـ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)، فإنه يريدُ ألا يغيبَ عن بالِنا أنَّ سيدَنا إبراهيم الذي صدرَ عنه ما لا ينبغي له، وذلك بسببٍ مما كان عليه حالُه مع مَن غلبَت عليه شِقوتُه، هو على حالٍ مع اللهِ تعالى فصَّلته وبيَّنته هاتان العبارتان الجليلتان.
