لماذا تعيَّن على الحبِّ أن يكونَ مؤلماً إلى هذه الدرجة؟

تتنازعُ الإنسانَ قِوىً تُريدُ كلُّ واحدةٍ منها أن تستوليَ عليه، وأن تُخضِعَه لإرادتِها هي وحدها. وهذا “قدَرٌ إلهيٌّ” تحتَّمَ على الإنسانِ أن يعيشَ دُنياهُ وفقاً لما يقضي به. ومن بينِ أكثرِ هذه القِوى التي تتصارعُ فيما بينها أيُّها هو المُتسلِّطُ على الإنسان قوتانِ تُريدُهُ كلُّ واحدةٍ منهما أن يُسلِمَ قيادَه لها. وهاتنا القوتان هما: قوة “النفسُ” وقوة “النوع”. فاللهُ تعالى ابتلى الإنسانَ بنفسٍ لا قدرةَ لها على أن تكُفَّ يدَها عنه كفاً كان ليجعلَ من حياتِهِ في هذه الدنيا تكادُ أن تخلوَ من المُكدِّراتِ والمُنغِّصاتِ وغيرِ ذلك من الأسبابِ التي قُدِرَ للإنسانِ أن يُعانيَ جراءَ تسلُّطِها عليه.
ومن بين هذه الأسباب تبرزُ قوة “النوع” التي فرضَ اللهُ تعالى على الإنسانِ أن يُعانِيَ جراءها الأمرَّين؛ كيف لا وهي تضطرُّه إلى وجوبِ أن يُغلِّبَ ما يُريدُه النوعُ على إرادةِ الفردِ فيه؟ ولعلَّ الحبَّ أن يكونَ أكثرَ جوانبِ الإنسانِ تعرُّضاً لآثارِ هذا التنازُعِ عليهِ بين قوةِ “النفسِ” وقوة “النوع”؛ هذا التنازعُ الذي يكمن من وراء علةِ ما يعتورُ الحبَّ من عوارِضَ جعلته أكثرَ العواملِ التي بمقدورِها أن تتسبَّبَ للإنسانِ بعظيمِ الأحزانِ وشديدِ الآلام. فلو أنَّ ساحةَ الإنسانِ خلَت للنوع، يفعلُ ما أمرَهُ اللهُ تعالى أن يفعلَه، ولم يكن للنفسِ أن تتنازعَ مع النوعِ على الإنسان، لكان الحبُّ ليخلوَ من كلِّ ذاك الذي حتَّمَ عليه أن يكونَ أشدَّ “أسبابِ الدنيا” قدرةً على إيلامِ القلبِ وإشغالِ العقلِ بأحزانٍ لا يُعرَفُ لها أولٌ ولا آخر.

One comment

أضف تعليق