
يظنُّ الإنسانُ ألا شيء بمقدورِه أن يحولَ بينه وبين أن يُحيطَ بحقيقةِ الأشياءِ. ولقد غابَ عن الإنسانِ، بهذا الظنِّ منه، ما هو عليه من عجزٍ عن تحديدِ كلِّ ما ينبغي أن يتواجدَ حوالَي “الشيء” حتى يكون بمقدورِه أن يتبيَّنَه على ما هو عليه حقاً وحقيقة. وهذا الذي هو “حوالَي الشيء” يمتدُّ في المكان، ويضربُ بجذورِهِ عميقاً في الزمان، امتداداً وضرباً يجعلان من المتعذرِ على الإنسانِ أن يعرفَ الأشياءَ على حقيقتِها. ولذلك فإنَّ أيَّ حديثٍ للإنسانِ عن “الحقيقةِ” لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ صائباً طالما تعذَّرَ عليه أن يُحيطَ بما يُحيطُ بهذا الشيءِ أو ذاك من “العواملِ” التي إن غابَ واحدٌ منها عن المشهد استحالَ عليه أن ينظرَ إلى الشيء النظرةَ التي تكفلُ له أن “يتعرَّف” عليهِ فيعرفَه المعرفةَ الحقة.
ولذلك أيضاً كان من المتعذَّرِ على الإنسانِ أن يقرأَ القرآنَ العظيم “القراءةَ المتدبرةَ” التي وحدَها بمقدورِها أن تُمكِّنَه من أن يُحيطَ بما ينطوي عليه النصُّ القرآني من معنى لا سبيلَ للوقوعِ عليه إلا من بعدِ الإحاطةِ التامة بكلِّ ما يُحيطُ به من “عواملَ قرآنية” يتكفَّلُ بتبيانِها استذكارُ ما وردَ في كاملِ النَّصِ القرآني من آيةٍ، أو آيات، ذاتِ صلةٍ بما ينطوي عليه هذا النص من معنى. فالغابةُ غابةٌ طالما كان ضوءُ الشمسِ يُضيءُ ربوعَها فيُتيحُ للعينِ أن تنظرَ إليها فتراها الرؤيةَ التي لن يُتيحَها لها الليلُ إذا ما جنَّ وادلهم!
