
في منشورٍ لي سابق عنوانه “العبادةُ إذ هي اقترابٌ من الله” انتهيتُ إلى أنَّ اللهَ تعالى ما فرضَ علينا العبادةَ إلا لنقتربَ بها منه، وذلك طالما كان الاقترابُ من اللهِ هو ما يتعيَّنُ على مَن خُلِقَ ليعبدَ الله أن يقومَ به حتى يُحقِّقَ الغايةَ التي لأجلها خلقَه الله. وهذا الذي ينبغي أن تُقاربَ به العبادةُ، بقيامِها على الاقترابِ من اللهِ علةً وسبباً، هو ما يتبيَّنُ لنا جلياً بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ العلَق في آيتِها الكريمة الأخيرة (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).
وإذا كانت العبادةُ تقتضي من العبدِ أن يضعَ نصبَ عينَيهِ وجوبَ أن يكونَ الاقترابُ من اللهِ تعالى هو ما ينبغي أن يُعلِّلَ به لكافةِ مفرداتِها، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وقيام، فإنَّ القرآنَ العظيم قد كشفَ لنا النقابَ عن أنَّ اللهَ تعالى يُقرِّبُ العبدَ فضلاً منه ورحمة إذا ما جدَّ العبدُ واجتهدَ وسعى جاهداً إلى أن يقتربَ منه. وهذا ما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرنا ما جاءتنا به سورةُ مريم في آيتَيِها الكريمتين 51- 52 (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا. وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا).
وهو عينُ ما جاءتنا به سورةُ آل عمران في آيتِها الكريمة 45 (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ).
فالمُقرَّبون هم عبادُ اللهِ الذين صدقَ منهم الاقترابُ والتقرُّب فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يُقرِّبهم منه في الدنيا والآخرة
(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) (88- 89 الواقعة)، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ. كِتَابٌ مَرْقُومٌ. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) (19- 21 المطففين).
