
يُصِرُّ كثيرٌ منا على غَضِّ الطرفِ عن كلِّ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من دلائلَ وبراهين تقطعُ وتجزم بأنَّ الجنةَ التي أّخِذَ إليها سيدُنا آدم، ثم أُخرجَ منها، هي في السموات وليست على هذه الأرض! فلو أنَّنا تدبَّرنا هذا الذي جاءنا به القرآنُ العظيم من قصَصِ سيدِنا آدم، لما كنا لنجدَ في الأمرِ ما يقتضي منا كلَّ هذا الإصرار! فيكفينا أن نستذكرَ بعضاً من هذه الآياتِ الكريمة حتى تطمئنَّ قلوبُنا إلى أنَّ جنةَ آدم كانت في السموات وليست على هذه الأرض: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (25 الأعراف)، (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (من 36 البقرة).
فما الذي يُعسِّرُ على كثيرٍ ممَّن يقرأون قصصَ سيدِنا آدم، كما وردت في القرآنِ العظيم، تصديقَ هذه الحقيقة القرآنية؟
يعودُ ذلك إلى ما يظنُّهُ هؤلاءِ من أنَّ كونَ الجنة التي أُخِذَ إليها آدم هي في السموات يقتضي منهم أن يُفكِّروا في الكيفيةِ التي تمَّ نقلُه بها إلى تلك الجنة، والكيفيةِ التي أُعيد بها من تلك الجنة إلى الأرض! ويبدو أنَّ هؤلاءِ لا يريدون أن يصدِّقوا أنَّ اللهَ قادرٌ على كلِّ شيء، وأنَّ اللهَ لا يُعجزُه شيءٌ في السمواتِ ولا في الأرض (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (من 44 فاطر). فلماذا يجدُ هؤلاءِ أنَّ في الأمرِ إعجازاً للهِ تعالى، حتى يُصِروا على أنَّ جنةَ آدم كانت على هذه الأرض وليست في السموات؟! ألم يقدِّم الله تعالى لنا في سورةِ الإسراءِ وسورة النجم ما يبرهنُ لنا على أنَّه قادرٌ على ذلك؟!
فتكفينا قصَصُ الإسراءِ والمعراج دليلاً وبرهاناً على أنَّ اللهَ تعالى، الذي أسرى بعبدِه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرجَ به من هناك إلى جنةِ المأوى، وأعادَه بعد ذلك إلى مكة المكرمة، قادرٌ على أن يعرجَ بأبينا آدم إلى تلك الجنةِ ثم يعودَ به إلى الأرضِ تارةً أخرى.
