
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ سيدَنا موسى كان مُحقاً فيما بدرَ منه من اعتراضٍ على ما شهِده من أفعالِ سيدِنا الخضر! لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (71 الكهف)، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (74 الكهف)، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77 الكهف).
ويرى كثيرٌ منا في هذا الذي بدرَ عن سيدِنا موسى من اعتراضاتٍ على سيدِنا الخضر ما يظنُّ أنَّه متفقٌ تمامَ الاتِّفاقِ مع ما يقضي به العقلُ والمنطقُ وتؤيدهما فيما يذهبان إليه الشريعة! ولو أنَّنا استذكرنا ما جاءتنا به سورةُ الكهف من تفاصيلَ توثِّقُ للقاء سيدِنا موسى بسيدِنا الخضر، لتبيَّنَ لنا أنَّ سيدَنا موسى لم يكن مُحقاً في اعتراضِه على سيدِنا الخضر.
فسيدُنا موسى كان يعلمُ، ومنذ البداية، أنَّ سيدَنا الخضر هو “عبدٌ من عبادِ الله اختَّصَه اللهُ بعلمٍ من لدنه” (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف). ثم أنَّ سيدَنا موسى أكَّدَ لسيدِنا الخضر أنَّه لن يسألَه عن شيءٍ حتى يُخبِرَه هو بتفاصيلِه فيما بعد (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) (66- 69 الكهف).
كما وأن سيدَنا موسى، وفي كلِّ مرةٍ كان يبدرُ منه اعتراضٌ على سيدنا الخضر كان يبادرُ إلى الاعتذارِ وإلى تشديد التأكيد بأنه لن يعيد الكرة مرة أخرى فيسألَه ما لا ينبغي له (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (73 الكهف) و(قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) (76 الكهف).
