
ما كان اللهُ تعالى ليخلُق بني آدمَ ويَذَرَهُم يتخبطونَ في غياهبِ ومتاهاتِ التعبد لغيره خوضاً في غمارِ التعشُّقِ لكل ما تأمرهم به النفس ويزينه لهم الهوى! فالإنسانُ منا مجبولٌ على الإعراض عن الحقيقةِ وإن تجلت له بحذافيرها. وما ذلك إلا لأن الإنسانَ كان أكثر شيءٍ جدَلا، وذلك كما لا يزال يُذكِّرنا به قرآن الله العظيم: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف).
فما الذي حدث لكلماتِ اللهِ التي تلقاها أبونا آدمُ من ربه وذلك من بعد انقضاءِ أحقابٍ من الزمانِ على تلقيه لهن؟: (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (37 البقرة).
يُعين على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكر هذا الذي دأب الإنسانُ على القيام به على الدوام من تعاملٍ “انسانيٍ – بشريٍ” مع كلمات الله! فالإنسان منا حريصٌ كل الحرص على أن يكونَ حظَ الحقيقةِ منه هو إما إعراضٌ عنها وتجاهلٌ لها حتى ينساها، أو أن يُتبِعَها بتأويلٍ لها يحيد به عن معناها فيُضَلُ بالتالي عنها!
ولذلك أنزلَ اللهُ تعالى قرآنه العظيم ذكراً وتذكرةً وذكرى حتى لا ينسى الإنسانُ أن الله تعالى هو الحاكم بقوانينه وليس المحكومَ بها وأنه قادرٌ إن شاء على أن يسلط على قوانينه ما يجعلها بلا حولٍ ولا قوة، وذلك حينما يتجلى قولُه للشيءِ إذا أرادَه “كن فيكون”.
