
تبرهنُ النظرةُ السطحيةُ إلى وقائعِ الدنيا وأحداثِها على مجانبَتِها للصواب، وإن كان صاحبُها يظنُّ بنفسِه فيُحسِنُ بها الظنَّ إذ يتوهَّمُ أنَّه على شيءٍ وما هو كذلك! ومن ذلك القولُ بأنَّ الدنيا لا سبيلَ لأن تُنالَ إلا بالأخذِ بالأسباب! فهذا قولٌ قد يبدو لأولِ وهلة صائباً، إلا أنَّ التمعُّنَ في الأمرِ كفيلٌ بأن يكشفَ لنا النِقابَ عن أنَّه ليس كما يبدو! فالأخذُ بالأسبابِ وكفى هو سبيلُ من لا يؤمِنُ بأنَّ هذه الحياةَ الدنيا آيلةٌ إلى الزوال، وأنَّ الآخِرةَ هي ما سينتهي بها إليه المآل. وهو قولٌ لا ضيرَ منه إن كان واحدُنا يريدُ أن يكونَ من “الذين يستحبُّون الحياةَ الدنيا على الآخرة”! أما إن نحن أردنا ألا نكونَ من “الذين يستحبون الحياةَ الدنيا على الآخرة” فسبيلنا إلى ذلك هو غيرُ هذه السبيل.
فسبيلُ الذين يستحبون الآخرةَ على الحياةِ الدنيا هو بأن نتوكَّلَ على اللهِ الحَي ربِّ الأسباب توكلاً يقومُ على أساسٍ من اليقينِ والإيقانِ بأنَّ هذه الحياةَ الدنيا إذ تُنالُ بالأسباب، فإنَّ الأمرَ كلَّه لله الذي لولاه ما كانت هذه الأسباب، وأنَّ اللهَ هو مَن يُعطِيَ ما يشاءُ من الدنيا لمَن يشاءُ من عبادِه بهذه الأسباب، وأنَّ للهِ أن يُعطيَ مَن يشاءُ من دونِ هذه الأسباب، وأنَّ القولُ بهذا الشأن هو ما حفظته لنا سورةُ آل عمران من حديثِ السيدة مريم وسيدِنا زكريا عليهما السلام (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
