
شاعَ في الناسِ وذاعَ اعتقادٌ مفادُه أنَّ كلَّ مَن شهدَ الشهادتَين معصومٌ من الفسوق! ولقد أشاعَ في الناسِ هذا الاعتقادَ وأذاعَه أولئك الذين تجاسروا على اللهِ تعالى بزعمِهم أنَّ مَن نطقَ بالشهادتين لن يُخلَّدَ في النارِ مهما كبُرت معصيتُه وعَظُمَ ذنبُه! وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنَّ هؤلاءِ المتجاسرين على اللهِ تعالى وعلى قرآنِه العظيم قد حكَّموا أهواءهم وما يعتملُ في قلوبِهم من غَرضٍ ومَرض فيما جاءنا به من اللهِ تعالى قرآنُه العظيم! فلو أنَّ القومَ اتَّقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه لما كذبوا على اللهِ تعالى، ولما تجرَّأوا على الطعنِ في قرآنِه العظيم بهكذا زعمٍ لا دليلَ قرآنياً عليه. ولو أنَّ القومَ قرأوا القرآنَ العظيم بتفكُّرٍ وتدبُّر لتبيَّنَ لهم أنَّ ما هم عليه من إيثارٍ لما تهوى الأنفسُ لن ينتهيَ بهم إلا إلى الفوزِ بمقتِ الله الذي لو قدَروه حقَّ قدرِه لتريَّثوا قليلاً قبلَ أن يُسارعوا إلى القولِ بما لا يُرضي اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم! فلو أنَّ الأمرَ هو حقاً كما يزعمون، فكيف يفسِّرون إذاً خطابَ اللهِ تعالى إلى الذين آمنوا (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (من 282 البقرة).
أفلا يتبيَّنُ لكلِّ مَن يقرأُ قولَ اللهِ تعالى هذا بتفكُّرٍ وتدبُّر أنَّ مَن نطقَ بالشهادتَين ليس معصوماً من أن يزجَّ اللهُ تعالى به فيجعلَه في زمرةِ الفاسقين لمجردِ أنَّه قد اضطرَّ مَن يكتبُ وثيقةَ الدَّينِ، ومن يشهدُ عليه، إلى ما لا يوافقُ الحقَّ؟!
