
أمرَ اللهُ تعالى الملائكةَ بعبادتِه. ولقد فصَّلت آياتٌ من قرآنِ اللهِ العظيم العباداتِ التي كُلِّفَ الملائكةُ بالقيامِ بها، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (206 الأعراف)، (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) (من 19- 20 الأنبياء)، (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) (من 7 غافر)، (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (من 38 فصلت)، (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) (من 5 الشورى).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة، أنَّ العباداتِ التي كلَّف اللهُ تعالى بها الملائكةَ لا تختلفُ، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بتسميتِها، عن تلك التي أمرَ اللهُ تعالى بَني آدمَ القيامَ بها خلا عبادةٍ واحدةٍ اختصَّ اللهُ تعالى بها الملائكةَ وهي “التقديسُ لله”، والتي جاءتنا الآيةُ الكريمة 30 من سورةِ البقرة بنبئها (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فما هو التقديسُ لله؟ ولماذا لم يأمرنا اللهُ تعالى بأن نُقدِّسَ له؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على السؤالِ الثاني تعريفُ “التقديس لله”، والذي هو لا أكثرَ من أن يتفرَّغَ مَن خُلِقَ مؤهلاً ليُقدِّسَ اللهَ تعالى، لعبادةِ الله حمداً له وتسبيحاً دون فتورٍ ولا كلَلٍ ولا سأمٍ ولا ملل. وهذه عبادةٌ ليس بمقدورِ الإنسانِ القيامُ بها وهو المخلوقُ الذي خلقَه اللهُ ضعيفاً (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). فما كان للهِ تعالى أن يُكلِّفَ الإنسانَ بما لا قدرةَ له على القيامِ به (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (من 286 البقرة)، (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (من 152 الأنعام)، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) (من 7 الطلاق).
