
يُخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ اللهَ تعالى لم يختَر رُسُلاً يُبلِّغونَ رسالاتِه إلا من بَني آدم. فاللهُ تعالى اصطفى من الملائكةِ رُسُلاً ومن بَني آدم (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير) (75 الحج).
كما أنَّ اللهَ تعالى لم يستثنِ الجِنَّ من هذا الاصطفاء، إذ يكشفُ لنا قرآنُه العظيم النقابَ عن حقيقةٍ مفادُها أنَّه تعالى أرسلَ إلى الجنِّ رُسُلاً من أنفسِهم (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) (من 130 الأنعام).
فاللهُ تعالى ما خلقَ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات)، ولذلك فلم يكن اللهُ ليذَرَ الجنَّ دون أن يُرسِلَ إليهم رسُلاً منهم يقصُّونَ عليهم آياتِه ويُنذِرونَهم لقاءَ الآخرة. وبذلك تبطُلُ حجةُ أولئك الذين جعلَهم غلوُّهم في الإنسانِ، تعظيماً له وتفخيماً وتقديساً، ينأون عن سبيلِ الرُّشدِ بزعمهم أنَّ من بين دلائلِ تميُّزِ الإنسانِ وتفوُّقِه على الجن أنَّ الله تعالى لم يُرسِل إلى الجنِّ رسُلاً من أنفسِهم!
