في معنى قَولِهِ تعالى “لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ”

أمرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأن نؤمنَ بكافةِ رسُلِه الذين بلَّغوا ما أنزلَه عليهم من الكتاب. ولقد جعلَ اللهُ تعالى الإيمانَ برسُلِه كافة شرطاً لا يستقيمُ الإيمانُ بدونه. ولذلك نجدُ المؤمنين الصادقين، أما وقد ائتمروا بما أمرَهم اللهُ تعالى به، يقولون: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (من 285 البقرة).
فلا يستقيمُ، والحالُ هذه، إيمانُ أحدٍ منا إن لم يؤمن بمَن سبقَ سيدَنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من الرسُل. فما قالَه اللهُ تعالى لسيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو عينُ ما قد قالَه للرسُلِ من قبله (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت). فرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم قد جاء بالحق وصدَّقَ مَن سبقه من المُرسَلين (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) (37 الصافات).
ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على وجوبِ الإيمانِ برسُلِه كلِّهم أجمعين دون تفرقةٍ بينهم، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (136 البقرة)، و(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (84 آل عمران).
ولقد وعدَ اللهُ تعالى عبادَه الذين آمنوا ولم يُفرِّقوا بين أحدٍ من رُسُله بعظيمِ الجزاءِ في الدنيا والآخرة، وذلك مصداقَ قولِه تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (152 النساء). كما وتوعَّدَ اللهُ تعالى أولئك الذين يريدون أن يفرَّقوا بينه وبين رُسُله، فيقولون نؤمنُ ببعضِهم ونكفر ببعض، بشَرِّ العاقبةِ وذلك لأنهم هم الكافرون حقاً، كيف لا وهم قد حادوا عن هَدي الله وصراطِه المستقيم بهذه التفرقةِ التي لا يجرؤ على الإقدامِ عليها إلا مَن أصرَّ على أن يعصيَ اللهَ واتَّخذَ إلهَه هواه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (150- 151 النساء).

أضف تعليق