القرآنُ العظيم إذ هو بلاغ

أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يُبلِّغَ ما أنزلَه عليه من القرآن: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (من 67 المائدة). ولقد أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يقولَ للناس: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (من 19 الأنعام)، (وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ) (من 23 الأحقاف).
وهذا الذي أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يُبلِّغَه هو القرآنُ الذي وصفَه بأنَّه “بلاغٌ للناس”: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب) (52 إبراهيم)، (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (35 الأحقاف).
فالقرآنُ العظيم هو رسالةُ اللهِ إلى بَني آدم من معاصري رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وإلى يومِ الدين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (107 الأنبياء)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (من 28 سبأ). ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لم يكن بِدعاً من الرُّسُلِ إذ أمرَه اللهُ تعالى بأن يُبلِّغَ القرآن (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) (من 9 الأحقاف). فاللهُ تعالى ما أوجبَ على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إلا ما سبق وأن أوجبه على مَن سبقَه من الرسل: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (من 35 النحل)، (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (من 20 آل عمران)، (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (من 92 المائدة)، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (من 40 الرعد)، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (من 48 الشورى).
والقرآنُ العظيم، إذ هو بلاغٌ، فما ذلك إلا لأنَّ اللهَ تعالى جعلَه يشتملُ على “حكمة بالغة” هي عينُ الحكمةِ التي سبقَ وأن أنزلَها من قبلُ على رسُلِه الكرام: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ. حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) (4- من 5 القمر). فالقرآنُ العظيم “بلاغٌ مبينٌ” لكلِّ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد) (37 ق).
ولذلك فلم يُكلِّف اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يضطرَّ الناس إلى الإسلام ويُكرِهَهم على الإيمانِ بالله. فالقرآنُ، إذ هو بلاغ، فإنَّ اللهَ تعالى قد كفلَ لكلِّ مُدَّكِرٍ يتدبَّرُ آياتِه الكريمة أن يؤمن به طالما انتهى به تدبُّرُه هذا إلى أنَّه كتابٌ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله.

أضف تعليق