
نقرأ في سورةِ طه، وفي الآيةِ الكريمة 86 منها، قولَه تعالى: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي). فما هو هذا “العهد” الذي طالَ على قومِ سيدنا موسى؟
يعين على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكر الآيةَ الكريمة 21 من سورةِ المائدة: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين). فاللهُ تعالى كان قد أخذ على قومِ سيدِنا موسى عهداً إن هم أخلصوا دينَهم له ولم يُشركوا به من خلقِه أحداً فإنه سيكتبُ لهم أرضاً مباركةً سمَّاها قرآنُه العظيم “الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ”، فلم يكن منهم إلا أن استبطؤوا تحقُّقَ وعدِ اللهِ لهم فاتَّخذوا العجلَ إلهاً من دونِ الله. فـ “العهد” هو عهدُ “الأرضِ المقدسة” الذي ما رعاهُ القومُ حقَّ رعايتِه.
ولقد جدّد القومُ نكثَهم للعهدِ مرةً أخرى، وذلك عندما أحجموا عن دخولِ “الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة” متذرِّعين بما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآيتين الكريمتين التاليتين: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (22 المائدة)، (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (24 المائدة). فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يُحرِّمَها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26 المائدة).
