
إذا كان اللهُ تعالى قد قال لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت)، فإنَّه تعالى قد قال له صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أيضاً: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِين) (34 الأنعام)، وقال له أيضاً: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (10 الأنعام)، وقال له أيضاً: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (52 الذاريات).
ولذلك فلم يكن مستغرَباً أن يعترضَ كفارُ قريش على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بقولهم الذي حفظته لنا الآيةُ الكريمة 8 من سورة ص: (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا). فسيدُنا صالح سبقَ وأن سمِعَ ذاتَ المقال، والذي حفظته لنا الآيةُ الكريمة 25 من سورة القمر: (أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا). فالقومُ في كلتا الحالتَين كانوا يحتجُّون على “رسالاتِ الله” بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتين 31- من 32 الزخرف: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ). واعتراضُ القومِ هذا هو عينُ ما حفظته لنا سورةُ الأنعام في الآية الكريمة 124 منها: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
وبذلك يكونُ معنى الآيةِ الكريمة (أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا)، موضوع المنشور، هو أنَّ قومَ سيدِنا صالح أنكروا عليه أن يكونَ اللهُ قد “فضَّلَه عليهم” فجعله رسولَه إليهم؛ فلو كان اللهُ ليرسِلَ رسولاً إليهم لاختارَ منهم مَن هو، في نظرهم، أجدرُ منه بأن يكونَ رسولَ اللهِ إليهم!
ويذكِّرنا هذا الموقف بما كان على نبيٍّ من بَني إسرائيل أن يُلاقيَه من القوم من بعدِ أن أخبرَهم بأنَّ اللهَ تعالى قد اختارَ سيدَنا طالوت مَلكاً عليهم: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) (247 البقرة).
