كانَ إبليسُ مِن الجن فلماذا قالَ اللهُ تعالى “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ”؟

خلقَ اللهُ تعالى الجِنَّ من نارٍ سمَّاها في قرآنِه العظيم “نارَ السَّموم”: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (27 الحِجر). و”نارُ السَّموم” هي مزيجٌ من النارِ لا يعلمُ أحدٌ إلا اللهُ كُنهَه ومحتواه: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (15 الرحمن). وإبليسُ كان من الجن الذين خُلِقوا من “هذه النار”، وهو بالتالي لم يكن من الملائكةِ الذين لم يذكرِ اللهُ تعالى لنا في قرآنِه العظيم أيَّ تبيانٍ يُعرِّفُنا مِمَ خُلِقوا: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (من 50 الكهف). فلماذا إذاً ذكرَ اللهُ تعالى إبليسَ في سياقٍ يتوهَّمُ البعضُ أنَّه يتعارضُ مع ما أنبأنا به قرآنُه العظيم بشأن كونِه من الجن؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ لسانَ القرآنِ العربيَّ المبين ليس له بالضرورةِ أن يتوافقَ مع لسانِنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه، وذلك بسببٍ من التعارُفِ والتلاقُحِ بين ألسُنِ وثقافاتِ الشعوبِ التي دخلت في الإسلام منذ أكثر من 1400 عاماً. فالأداةُ القرآنيةُ “إلا”، في قولِه تعالى (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (73- 74 ص)، لا تعني ما تواضعنا على الأخذِ بهِ من أنَّها تفيدُ الاستثناء! فهذه الأداةُ القرآنيةُ تفيدُ هنا غيرَ ما اصطلحنا عليه وتواضعنا، وفقاً لما تقضي به أحكامُ وقواعدُ لسانِنا العربي الدارج، وذلك لأنَّ ورودَها في هذا السياق يُرادُ به توجيهُ انتباهِ المُتلقِّي إلى “الفعلِ” وليس إلى “الفاعل”. فإبليسُ كان من الجنِّ ولم يكن من الملائكة، فلم يسجد بينما سجدَت الملائكة.
وهذا الذي تتمايزُ به الأداةُ “إلا” الواردةُ في هذا السياقِ القرآني، عن أداةِ الاستثناءِ “إلا” في السياقِ اللغوي الذي ألِفناهُ وعهدناه، قد وردَ أيضاً في معرضِ حديثِ القرآنِ عن إمرأةِ لوط التي لم تكن من أهلِه، وإن كان “ظاهرُ الأمر” يوحي بخلافِ ذلك (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (32 العنكبوت).

One comment

  1. عفوا اخي الكريم ولكن اللغة فيها الكثير مما نجهل وهذا الموضع منها، هذا استثناء بحرف الاستثناء (إلا) ولكن هذا النوع يسمى الاستثناء المنقطع وهو ما كان فيه ما بعد إلا ليس من جنس ما قبلها، ومثاله قوله تعالى “لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما الا قيلا سلاما سلاما” فالسلام اسم من اسماء الله وليس من اللغو والتأثيم حتى يستثنى منه، ولكن العامل المشترك هنا هو أنه يُسمع كغيره، وكذا ابليس مأمور بالسجود كالملائكة وإن لم يكن منهم والاستثناء متصل مجازا لا ع الحقيقة ومثله أيضا “ما لهم به من علم إلا اتباع الظن” فاتباع الظن ليس بعلم اصلا. وغيره من الأمثلة وهو ما يسمى الاستثناء المنقطع

    Liked by 1 person

أضف تعليق