
عانى سيدُنا موسى من قومِه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَ شيئاً منه بتدبُّرِنا الآيتَين الكريمتَين التاليتين: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) (5 الصف)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (69 الأحزاب).
فالقومُ لم تخشع قلوبُهم لِما قيَّضَ لهم اللهُ تعالى أن يكونوا عليه شهوداً من آياتِه الكبرى. فهل يُعقَلُ أن يكفرَ باللهِ مَن رأى بأُمِّ عينيه رجلاً ميتاً يبعثُه اللهُ من بعدِ موتِه حياً يُرزَق: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (72- من 74 البقرة)؟
ولقد بالغَ القومُ في سوءِ ظنِّهم باللهِ تعالى، وفي إساءاتِهم إلى سيدِنا موسى، حتى انتهى بهم الأمرُ إلى أن يتَّخذوا العجلَ إلهاً لهم من دون الله: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (92 البقرة). فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يجعلَ قلوبَهم قاسيةً بأقسى مما كانت عليه من قبل “وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً”: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (13 المائدة).
وهكذا فلقد تغلغلت القسوةُ في قلوبِ القومِ حتى لكأنها قد سُقيَتها سقياً: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (من 93 البقرة). فلكأنَّ قلوبَ القومِ قد سقاها اللهُ تعالى دَمَ العجلِ حتى تحجَّرت وتصخَّرت فأصبحت بلا حياة، وذلك كما كان العجلُ الذي صنعوه بأيديهم من ذهبِ حُلِيِّهم (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا) (من 148 الأعراف).
