
نقرأُ في سورةِ فُصِّلت، وفي الآيتَين الكريمتَين 37- 38 منها، قولَه تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ). فمَن هُم الذين أشارَ إليهم اللهُ تعالى في الآية الكريمة 38 من سورةِ فصلت بقولِه “الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ”؟
تُذكّرُ الآيةُ الكريمة 38 من سورةِ فصلت بآيةٍ كريمةٍ أخرى وردَ فيها أيضاً قولُ اللهِ تعالى “الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ”، وهي الآيةُ الكريمة 206 من سورةِ الأعراف: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ). وكلتا الآيتَين الكريمتَين تُشيرُ إلى طائفةٍ من الملائكةِ الكِرام سمَّاهم قرآنُ اللهِ العظيم بـ “الملائكةِ المقرَّبين”: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (من 172 النساء).
والقُربى هنا هي قربٌ من عرشِ اللهِ. و”الملائكةُ المقربُّون” من عرشِ الله هم الذين وردَ ذكرُهم في الآيةِ الكريمة (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (من 7 غافر). فالملائكةُ ليسوا سواءً، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بالقُربِ من عرشِ الله. فما من أحدٍ من الملائكةِ إلا ولهُ مقامٌ معلومٌ (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُون) (164- 166 الصافات).
وأقربُ “الملائكةِ المقرَّبين” من عرشِ الله هو سيدُنا جبريل الذي أنبأنا القرآنُ العظيم بكثيرٍ من التفاصيل التي تُبيِّنُ مدى قربِه عليه السلام من عرشِ الله، وذلك في آياتِ سورةِ النجم التي تتحدثُ عن معجزةِ معراجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (1- 18 النجم).
