
نقرأُ في سورةِ سبأ، وفي الآياتِ الكريمةِ 15- 17 منها، قَولَ اللهِ تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ). فما معنى “سَيلِ العَرِم” الواردُ ذكرُه في هذه القصَصِ الشريفة؟
الطبيعةُ لا تأتمرُ إلا بأمرِ اللهِ خالقِها الذي إن شاءَ سكَّنَ منها ما يشاء، وإن شاء حرَّكَ منها ما يشاء وبالقوةِ التي يشاء. فسيلُ الماءِ، مثلاً، يُجريهِ اللهُ تعالى رَهواً رَقراقاً. وهذا السيلُ لا يملكُ من أمرِهِ شيئاً، فإن شاءَ اللهُ أجراهُ على غيرِ عادتِهِ جياشاً مضطرماً، وإن شاءَ سرَّعَ جريانَه فصيَّرَه طُوفاناً عارِماً لا قدرةَ لشيءٍ على أن يصمدَ في وجهِه. وسيلٌ طاغٍ كهذا سمَّاهُ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم “سيلَ العَرِم”، أي السيلُ العارِمُ الجارِفُ الذي طغى ماؤُه بأمرِ اللهِ وإذنِه حتى ازدادَ حجمُهُ فبلغَ ما ليس بمقدورِ شيءٍ أن يصُدَّهُ أو يحولَ دون بلوغِهِ وِجهتِهِ ومقصدِه.
