
أقامَ اللهُ تعالى الوجودَ بما بثَّهُ في أصقاعِهِ وربوعِه من قوانينَ وأسبابٍ تكفَّلت بِتسييرِ وقائعِهِ وأحداثِه بإذنه. ولقد يسَّرَ اللهُ تعالى لعقلِ الإنسانِ أن يُحيطَ بشيءٍ يَسيرٍ من هذه القوانينِ والأسباب التي خوَّلَها فجعلَها المسؤولةَ عن حدوثِ السوادِ الأعظمِ من وقائعِ وأحداثِ هذا الوجود.
غيرَ أنَّ اللهَ تعالى جعلَ طائفةً أخرى من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه لا تحدثُ إلا “بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدنه” من دونِ أن يكونَ لما بثَّهُ في هذا الوجودِ من قوانينَ وأسبابٍ أيُّ شأنٍ في حدوثها. ولقد عرَّفنا اللهُ في قرآنِه العظيم بجانبٍ من هذه الوقائعِ والأحداث التي لا تحدثُ إلا بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدنهُ تعالى:
1- (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) (من 66-67 النساء).
2- (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف).
3- (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) (13 مريم).
4- (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) (17 الأنبياء).
5- (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (8 آل عمران).
6- (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (38 آل عِمران).
7- (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (من 75 النساء).
8- (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) (من 80 الإسراء).
9- (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (9 الكهف).
10- (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (5 مريم).
11- (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (من 40 النساء).
ويكفينا حتى نتبيَّنَ عجزَ قوانينِ الوجودِ وأسبابِه عن أن يكونَ بمقدورِها أن تتسبَّبَ في حدوثِ تلك الطائفةِ من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه، التي لا تحدثُ إلا بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدُن اللهِ تعالى، أن نتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (57 القَصَص). فاللهُ تعالى هو مَن أسكنَ سيدَنا إبراهيمَ، وبعضاً من ذريتِه، في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِه المُحرَّم. واللهُ تعالى هو الذي تكفَّلَ بأن يُيَسِّرَ لهم مَعيشتَهم وذلك بأن جعلَ أفئدةً من الناسِ تهوي إليهم فكان أن تسبَّبَ ذلك في نشوءِ مكةَ التي كرَّمَها اللهُ تعالى ببَيتِه العتيق. فمكةُ المكرَّمة ما كان لها أن تظهرَ على الخارطةِ لولا بيتُ اللهِ العتيق الذي لو اجتمعت قوانينُ الوجودِ كلُّها وأسبابُه ما كان لها أن تتسبَّبَ في ظهورِه.
ولذلك أيضاً كان القرآنُ العظيم كتاباً لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). فالقرآنُ العظيم كتابٌ عرَّفَهُ اللهُ بأنَّه صادرٌ عن لدنه تعالى:
1- (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (99 طه).
2- (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (1 هود).
3- (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (6 النمل).
4- (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) (1- 2 الكهف).
