
كنتُ قد ذكرتُ في القسم الأول من هذه المقالة أنَّ السوادَ الأعظمَ من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه إنما يتسبَّبُ في حدوثِه ما سبقَ وأن بثَّهُ اللهُ تعالى في هذا الوجودِ من قوانينَ وأسباب، وأنَّ هنالك من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه ما لا قدرةَ لهذه القوانينِ والأسباب على أن تتسبَّبَ في حدوثِها، وأنَّ اللهَ تعالى هو مَن يتسبَّبُ في حدوثِها بتدخُّلٍ مباشرٍ “من لدُنه”.
والمعجزاتُ هي من بينِ هذه الوقائعِ والأحداثِ التي يُجَلِّيها هذا “التدخُّلُ الإلهي المباشر” في الوجود. ولقد أنبأنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى إذ يتسبَّبُ في حدوثِ المعجزاتِ، وغيرِها من الوقائعِ والأحداث التي تعجزُ قوانينُ الوجودِ وأسبابُه عن التسبُّبِ في حدوثِها، فإنَّه إنما يُحدِثُها بقولِهِ للشيءِ إذا أرادَه “كُن فيكون”. و”كن فيكون” هو التعبيرُ القرآني عن هذا “الخَلق اللَّدُني” الذي تتمايزُ بهِ المعجزاتُ، ومثيلاتُها من الوقائعِ والأحداث، عن غيرِها من الوقائعِ والأحداث التي سبَّبَ اللهُ تعالى لحدوثِها بما سبقَ وأن بثَّهُ في هذا الوجودِ من قوانينَ وأسباب.
وإذا كان اللهُ تعالى قد خلقَ الناسَ كلَّهم جميعاً من نفسٍ واحدةٍ، وذلك من بعدِ أن خلقَ منها زوجَها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (من 1 النساء)، فإنَّ ذلك لا يلزمُ عنه بالضرورةِ وجوبُ ألا يكونَ بمقدورِ اللهِ تعالى أن يخلقَ بشراً من دونِ أب! فاللهُ تعالى خلقَ عيسى ابنَ مريمَ عليه السلام من دون أب بأن قالَ له “كُن فيكون”، وذلك في خَرقٍ جَليٍّ بيِّنٍ لِما قضت به سُنَّتُه من وجوبِ أن يكونَ للإنسانِ أمٌّ وأب:
1- (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (47 آل عمران).
2- (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران).
3- (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (34- 35 مريم).
4- (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (116- 117 البقرة).
ولقد ضربَ لنا اللهُ في قرآنِه العظيم مثالاً آخرَ على “الخَلقِ اللدُني” المتحقِّقِ دونَ قوانينَ وأسباب، وذلك بمجردِ أن يقولَ للشيءِ إذا أرادَه “كن فيكون”. وهذا المثالُ هو بعثُ الموتى يوم القيامة:
1- (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ. إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (38- 40 النحل).
2- (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (68 غافر).
3- (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (81- 82 يس).
