لماذا لم يتَّخذ سيِّدُنا زكريا زوجةً ثانية حتى تكونَ لهُ ذرية؟

لا يملكُ مَن يتدبَّرُ قصةَ سيدِنا زكريا، كما قصَّها علينا قرآنُ اللهِ العظيم، غيرَ أن يتساءلَ عن العلةِ من وراءِ إحجامِه عليه السلام عن أن يتَّخذَ له زوجةً ثانية أما وأنَّ امرأتَه كانت عاقراً: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) (من 5 مريم). فما الذي حَدا بسيدِنا زكريا لأن يسألَ اللهَ تعالى أن يهَبَ له “من لدنه” ذريةً عِوَضَ أن يتَّخذَ له زوجةً تأتيه بإذن اللهِ تعالى بالولد؟
فسيدُنا زكريا، ومن بعدِ أن ظنَّ أنَّ اللهَ تعالى لم يُقدِّر له أن تكون له ذريةٌ مِن صُلبِه، توجَّه إلى اللهِ تعالى يدعوه أن يَهبَ له “من لدنه ولياً” يرثُهُ ويخلفه في وعظِ الملأِ من بَني إسرائيل الذين كان يتولَّى بنفسِه مهمةَ وعظِهم: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (2- 6 مريم).
فتدبُّرُ قصةِ سيدِنا زكريا، كما يقصُّها علينا قرآنُ اللهِ العظيم، يضطرُّنا إلى الخلوصِ إلى نتيجةٍ لا مناصَ لنا من الإقرارِ بها. وهذه النتيجةُ مفادُها أنَّ هناك سبباً يحولُ دون أن يكونَ بمقدورِ سيدِنا زكريا أن يتَّخذَ له زوجةً ثانية، وأنَّ هذا السببَ لابد وأن يكونَ ذا صِلةٍ بـ “المنصب” الذي كان سيدُنا زكريا يتبوَّأه في الملأِ من قومِه. فوفقاً للتقليدِ المتَّبَع، فإنه لم يكن من الجائزِ لِمَن يتولَّى مهمةَ وعظِ الملأِ من بَني إسرائيل أن يكونَ له أكثرُ من زوجةٍ حتى وإن كانت زوجتُه عاقراً. فالتقليدُ المتَّبَع كان يقضي بأن يبقى مَن قُدِّرَ له أن يتولَّى مسؤوليةَ وعظِ الملأِ من بَني إسرائيل في منصبِه هذا حتى يتوفاهُ اللهُ أو يُقعِدَه المرضُ عن القيامِ بأعباءِ مسؤوليتِه. وفي كلتا الحالتَين يتعيَّنُ على الإبن الذي يرِثُ والدَه أن يخلفَه في مهمةِ الوعظِ هذه، وإلا تعيَّنَ على بيتٍ آخرَ من أسباطِ بَني إسرائيل أن يتولَّى الأمر. ولذلك كان سيدُنا زكريا يلحُّ على اللهِ تعالى بالدعاءِ أن يهبَ له ولداً “يرِثُه ويرِثُ من آل يعقوب”، وذلك لأنه كان يعلمُ بفسادِ باقي البيوتات.
وما كان سؤالُ سيدِنا زكريا اللهَ تعالى أن “يهبَ له من لدنه ولياً يرثه ويرثُ من آلِ يعقوب” إلا حرصاً من جانبِه على أن يكونَ هذا “الوليُّ اللدُني” هو مَن يتولَّى مهمةَ الوعظِ وليس أحداً آخر من تلك البيوتات. فجاء أمرُ اللهِ وتجلَّت رحمتُه وكان لسيدِنا زكريا ما أرادَه أولَ مرة، فأصلحَ اللهُ تعالى له زوجَه: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (89- 90 الأنبياء).
وهذا الأمرُ لَيُذكِّرُنا بما كان لِسيِّدِنا إبراهيم أن يحظى به إذ جاءَ أمرُ اللهِ وتجلَّت رحمتُه وكان له ما أرادَ من الولد: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (71- 73 هود).

أضف تعليق