لماذا ينتفي وجودُ الظلمِ في الطبيعة؟

لم يظهر الفسادُ في الطبيعةِ إلا على يدِ الإنسان: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (من 41 الروم). فالطبيعةُ قبل ظهورِ الإنسانِ على هذه الأرض كانت “عالَماً مثالياً” خالياً من أيٍّ من تجلياتِ الظلمِ الذي لم تعرفه إلا عندما شرعَ الإنسانُ يبثُّ الفوضى والخرابَ أينما حلَّ وارتحل!
وإن تعجب فعجَبٌ زَعمُ أولئك الذين يقولون بأنَّ اللهَ قد جعلَ الإنسانَ في الأرضِ خليفةً “ليَعمُرَها”! فأيُّ عمرانٍ هذا، وعن أيِّ إعمارٍ يتحدَّثُ القومُ دون بيِّنةٍ أو أثارةٍ من علم؟! فالناظرُ في أحوالِ الإنسانِ على مَرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور لن يعدمَ من الأدلةِ والبراهين ما يكفي ليستيقنَ من أنَّ الإنسانَ عاجزٌ عن أن يعيشَ دُنياه من دونِ أن يفيضَ على ما حوالَيه ظلماً وجَوراً! فالإنسانُ لم يُبدِع حضارةً إلا على حسابِ آخرين أذاقَهم من الويلاتِ والعذاب ما ليس باليسيرِ الحديثُ عنه إحاطةً بصنوفِه وألوانِه، وإحصاءً لعددِ ضحاياهُ والمتضرِّرين جراءه!
هذا فيما يخصُّ ظلمَ الإنسانِ لأخيهِ الإنسان، أما إذا ما أردنا أن نتبيَّنَ شيئاً من ظلمِ الإنسانِ للطبيعةِ بنباتِها وحيوانِها وهو يصنعُ حضارتَه وينشرُ في الأرضِ مدنيتَه وعمرانَه، فحدِّث ولا حرج! وإنَّ المرءَ لَيعجبُ كيف فاتَ أولئك الذين يزعمون بأنَّ الإنسانَ كائنٌ قد “نشأ عن الطبيعة” أن يستذكروا ويتدبَّروا الحقيقةَ التي مفادُها أن الطبيعةَ التي لم تعبث بها يدُ الإنسان ينتفي فيها وجودُ الظلمِ بأيِّ شكلٍ من الأشكال! فالإنسانُ لم ينشأ عن الطبيعة ولم يتطوَّر في ربوعِها، وإلا لما صدرَ عنه كلُّ هذا الظُّلمِ والعدوان!
فما الذي حدثَ فجعلَ الإنسانَ عاجزاً عن التحلِّي بما يحولُ دون أن يكونَ على هذا القدرِ من الجنوحِ إلى الظلمِ والعدوان؟
تقتضي الإجابةُ على هذا السؤال ألا نتوخاها من العلم الذي لا يزالُ يُصِرُّ على أن الإنسانَ قد نشأ وتطوَّر في عالَم الطبيعة، وذلك على الرغمِ من انتفاءِ وجودِ أيِّ مظهرٍ من مظاهرِ الظلمِ في الطبيعة! وحدَه دينُ اللهِ تعالى مَن بمقدورِه أن يعلِّلَ لنا هذا الجنوحَ من جانبِ الإنسانِ صوبَ الظلمِ والعدوان. فيكفينا أن نستذكرَ ونتدبَّرَ ما كشفَ لنا النقابَ عنه القرآنُ العظيم من ماضي الإنسان، وذلك في قولِه تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 سورة الأحزاب). فإذا كانت هذه الآيةُ الكريمة تُبيِّنُ لنا العلةَ من وراءِ هذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من ظلمٍ وعدوان، فإنها تبيِّنُ لنا أيضاً أنَّ انتفاءَ وجودِ الظلمِ في الطبيعة يعودُ إلى إبائها وتمنُّعِها عن حملِ تلك “الأمانة” وإشفاقِها منها.

أضف تعليق