
ينتهي بنا تدبُّرُ القرآنُ العظيم بعربيَّتِنا الدارجة، في أحايينَ كثيرة، إلى إخفاقٍ ذريع في تبيَّنِ المعنى الذي تنطوي عليه هذه الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة أو تلك، مما يُفضي بنا لا محالةَ إلى عجزٍ عن الإحاطةِ بالمعنى الذي تنطوي عليه الآياتُ الكريمةُ التي ترِدُ فيها هذه الكلمات. ومن الأمثلةِ التي بالإمكانِ إيرادُها، والاستشهادُ بها على ذلك، الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة “القَصَص”. فكثيرٌ منا يتوهَّمُ أنَّ معنى هذه الكلمةِ الجليلة هو ما تواضعنا عليه من تعريفٍ لكلمةِ “القُصص”، والتي تعني وفقاً لعربيتِنا الدارجة: “الحكايات”؛ وهو معنى ارتبطَ لدينا بذاك الذي يصدرُ عن رواةِ الحكايات والحكايا والقُصص مما هو ذو صلةٍ بما ليس له بالضرورة أن يكونَ متوافقاً مع الوقائعِ والحقائق (أي مع ما حدثَ حقاً). فكيف يستقيمُ إذاً أن نُعرِّفَ الكلمةَ القرآنيةَ الكريمةَ “القَصَص” بهذا المعنى الذي تواضعنا عليه لكلمةِ “القُصص”؟!
فهل يُعقَلُ أن يقصَّ اللهُ تعالى علينا في قرآنِه العظيم “قَصَصاً” لا تتطابقُ بالتمامِ والكلية مع الوقائعِ والأحداث؟! فكلمةُ “القَصَص” في القرآنِ العظيم لا تعني ما وقرَ لدينا من معنى تنطوي عليه كلمة “القُصَص” في عربيتنا الدارجة. فقَصَصُ القرآنِ العظيم هي “أحسنُ القَصَص” لأنَها أصدقُ القَصَص، حيث أنها تصِفُ بدقةٍ متناهية ما حدث، كيف لا واللهُ تعالى هو القاصُّ وهو الراوي والمُحدِّث؟!:
1- (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (62 آل عمران).
2- (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (من 3 يوسف).
3- (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (من 176 الأعراف).
وسيدُنا موسى، إذ قصَّ على سيدِنا شعيب ما حدثَ له من أحداث، فإنه إنما قد روى له كلَّ ما حدثَ له: (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (من 25 القصَص). وهذه القَصَصُ هي تلك الأحداثُ بحذافيرِها دونَ زيادةٍ أو نقصان. والآن لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (من 164 النساء).
2- (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (من 57 الأنعام).
3- (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) (من 130 الأنعام).
4- (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (7 الأعراف).
5- (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (من 101 الأعراف).
6- (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (من 120 هود).
7- (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) (من 13 الكهف).
8- (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) (من 99 طه).
9- (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (من 76 النمل).
يكفلُ لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمةِ أعلاه، والتي وردت فيها الكلماتُ القرآنيةُ “قَصَصْنَاهُمْ”، ” يَقُصُّ”، ” يَقُصُّونَ”، “فَلَنَقُصَّنَّ”، “نَقُصُّ”، أن نستيقنَ من أنَّ المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “القصَص” في القرآنِ العظيم لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بالمعنى الذي تواضعنا عليه ونحن نقصُّ قُصَصَنا التي لا نملكُ، وقد خُلِقنا بشراً ضعفاء، غير أن نزيدَ عليها أو نُنقصَ منها ما تشاءُ لنا ذاكرتُنا الخرقاء! فكيف يخرجُ علينا بعد ذلك أناسٌ من أمثالِ إبراهيم عيسى بزعمٍ مفادُه “أنَّ القرآنَ وإن كان “أحسنَ القصَص” فإنَّه يبقى مجردَ قصَص”؟!
