
عدَّ سيدُنا موسى قتلَه لعدوّه “من عملِ الشيطان”: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (15 القصَص). فما الذي قصدَ إليه سيدُنا موسى بقولِه عن قتلِه لعدوِّه بأنه “من عملَ الشيطان”؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى قد جعلَ لقتلِ النفسِ حدوداً وضوابطَ ومحدِّداتٍ يبيِّنُها تدبُّر الآياتُ الكريمةُ التالية:
1- (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (32 المائدة).
2- (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (من 68 الفرقان).
3- (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) (74 الكهف).
فاللهُ تعالى لم يأذن لسيدِنا موسى بأن يقتل عدوَّه، ولذلك فلقد عدَّ سيدُنا موسى هذا القتل “من عملِ الشيطان”. ويذكِّرنا هذا الأمرُ بما كان من أمرِ ابنَي آدم، حيث أنَّ الإبنَ الصالحَ لم يمدد يدَه ليُدافعَ عن نفسِه فيقاتلَ أخاه الذي كان يريد قتلَه، وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لم يأذن له بذلك: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (27- 28 المائدة). فاللهُ تعالى لم يأذن للابنِ الصالحِ بأن يقاتلَ أخاهُ الذي أرادَ أن يقتلَه، ولذلك لم يمدد هذا الإبنُ يدَه ليقاتلَ أخاه دفاعاً عن نفسِه.
