
نقرأُ في سورةِ القَصَص، وفي الآيتَين الكريمتَين 15- 16 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
يضطرُّنا تدبُّرُ هاتَين الآيتَين الكريمتَين إلى طرحِ السؤالِ التالي: “لماذا لم يحُل اللهُ تعالى دون أن يقضيَ سيدُنا موسى على عدوِّه؟”. فإذا كان اللهُ تعالى قد حالَ، بتدخُّلِه المباشر، دونَ أن يهِمَّ سيدُنا يوسف بامرأةِ العزيز، وذلك ليصرفَ عنه السوءَ والفحشاء، فلماذا لم يتدخَّل اللهُ تعالى ليحولَ دون أن يُقدِمَ سيدُنا موسى على قتلِ عدوِّه؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ للهِ تعالى الأمرَ كلَّه، فإن شاءَ تدخَّلَ في سياقِ الأحداثِ “ليقضيَ أمراً كان مفعولا”، وإن شاء أحجمَ عن التدخُّلِ وجعلَ الأسبابَ تؤتي نتائجَها بإذنِه؛ وهي ذاتُ الأسبابِ التي سبقَ وأن بثَّها في الوجودِ لتجريَ الوقائعُ والأحداثُ وفقاً لما يقتضيه سابقُ مشيئتِه.
فلو أنَّ اللهَ تعالى تدخَّلَ تدخُّلاً مباشراً، فحالَ بذلك دون أن يقضيَ سيدُنا موسى على عدوِّه، فهل كان سيدُنا موسى ليُضطرَّ إلى الخروجِ من مصرَ، وإلى التوجُّهِ تلقاءَ مدين، وإلى الزواجِ من ابنةِ سيدِنا شعيب، وإلى ما أعقبَ ذلك من وقائعَ وأحداثٍ انتهت به إلى أن يصبحَ “كليمَ الله”؟! فسيدُنا موسى كان مقدَّراً له أن يخرجَ من مصرَ ليعودَ إليها بعدَها، مؤيَّداً بتسعٍ من آياتِ اللهِ، وذلك ليخرجَ بقومِه منها إلى حيثُ أمرَه الله. وكل ذلك ما كان له أن يحدثَ لو أنَّ اللهَ تعالى حالَ بين سيدِنا موسى وبين أن يقتلَ عدوَّه!
