في معنى قَولِهِ تعالى “وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ”

نقرأُ في سورةِ ابراهيم، وفي الآياتِ الكريمة 44- 46 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ. وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ. وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ). فما هو معنى “وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ”؟
يحسبُ كثيرٌ من الناس ويتوهَّمون أنَّ اللهَ غافلٌ عما يعملون! وهذا ظنٌّ فنَّده اللهُ تعالى ودحضه في قرآنِه العظيم في مواطنَ كثيرة منها: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (من 74 البقرة).
ولقد عادَ هذا الظنُّ الواهمُ على أهلِه بسوءِ العاقبةِ في الدنيا وسوءِ المنقلبِ في الآخرة. ومن ذلك ما حاقَ بقومِ سيدِنا صالح من عذابٍ شديد: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (49- 51 النمل).
فمكرُ أعداءِ الله لا يخفى على الله وهو خيرُ الماكرين الذي يعلمُ خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54 آل عِمران).
ولقد مكرَ كفارُ قريش برسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وهُم لا يعلمونَ أنَّ اللهَ تعالى كان لهم بالمرصاد وأنَّه بمكرِهم محيط: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (30 الأنفال).
فالكافرون لا يعلمون أنَّ اللهَ تعالى محيطٌ بما يقولون ويفعلون:
1- (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (81 النساء).
2- (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (108 النساء).
ولقد فصَّلَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من القصَصِ ما يكفلُ لِمن يتدبَّرُها أن يستيقنَ من أنَّ اللهَ تعالى لا تنفعُ معه ظنونُ الكافرين وأوهامُهم. فإذا كان مِن أعداءِ اللهِ تعالى مَن هو واسعُ الحيلة، فإنَّ اللهَ “شديدُ المِحال”. ومهما خالَ أعداءُ اللهِ تعالى أنَّهم قادرون على أن يمكروا بمَن شاءوا من عبادِ الله، فإنَّ اللهَ بمكرِهم محيط وهو عالِمٌ بمن هُم به يأتمرون: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (20 القصَص). فعندَ اللهِ تعالى مكرُ كلِّ ذي مكر، كيف لا وقد وصف نفسَه في قرآنِه العظيم بأنه “خيرُ الماكرين”؟!

أضف تعليق