
أمرَ اللهُ تعالى الملائكةَ بأن يسجدوا لآدم: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (34 البقرة). فما الذي عجزَ إبليسُ عن تبيُّنِه من أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا. قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (61- 62 الإسراء).
2- (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (75- 76 الإسراء).
فلقد توهَّمَ إبليسُ أنَّ اللهَ تعالى، إذ أمر الملائكةَ بالسجودِ لآدم، فإنه إنما قد كرَّمَه بذلك عليه وهو المخلوقُ من نار، وأنَّى لِمَن خُلِقَ من نارٍ، في ظنِّ إبليس، أن يسجدَ لمَن خُلِقَ من طين! وبذلك فلقد أقامَ إبليسُ الحجةَ على نفسِه بنفسِه بهذا الامتناعِ من جانبِه عن الاستجابةِ لأمرِ اللهِ تعالى، وبهذا “التأويلِ” الذي إن دلَّ فإنما يدلُّ على تجاسُرِه على اللهِ تعالى تعليلاً لأمرِه للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم. فاللهُ تعالى، إذ أمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا لآدم، فإنَّه لم يُقدِّم أيَّ تبيانٍ للعلةِ من وراءِ أمرِه هذا. ويكشفُ هذا “التعليل”، الذي قدَّمه إبليسُ لأمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم، عما كان يعتملُ في داخلِ إبليسَ من غرورٍ وتعالٍ بغيرِ الحق وكِبر. وهذه حقيقةٌ تُعينُ على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم، وهو ما سوف أتطرقُ إليه إن شاء الله في المنشورِ القادم.
